أثارت قضية الاسراع في الانسحاب الامريكي من العراق، واغلاق المقر الرئيسي للقوات الامريكية قبل اكثر من اسبوعين على الموعد النهائي ، حالة من الترقب لما سيؤول اليه الوضع العراقي بعد الانسحاب والتحديات التي ستواجه هذا البلد الذي ارهقت شعبه الحروب واعمال العنف. 

   وتسلم العراق ، أمس الجمعة ، آخر قاعدة كانت تستخدمها القوات الامريكية ، وهي قاعدة الامام علي الواقعة في مدينة الناصرية (350 كم) جنوب بغداد.   

وأقامت القوات الامريكية يوم امس احتفالا قرب مطار بغداد الدولي ، بحضور وزير الدفاع الامريكي ليون بانيتا، واغلقت مقرها الرئيس في بغداد، معلنة " انتهاء الصفحة العسكرية في العلاقات الامريكية العراقية والدخول في مرحلة جديدة هي العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية" .   

ومع اغلاق هذه الصفحة ، يرى مراقبون أن المشهد العراقي لمرحلة ما بعد الانسحاب الامريكي ملبد بالغيوم والضباب من النواحي الامنية والسياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، مؤكدين أن الانسحاب يعد خطوة نحو استعادة العراق لسيادته الكاملة ودوره العربي والاقليمي .   

لكن ذلك ،بحسب المراقبين ، لن يتحقق إلا بتكاتف العراقيين جميعا بكل طوائفهم وتعاونهم وفتح صفحة جديدة ونبذ الطائفية والعنف وفتح صفحة جديدة لبناء عراقي حر يرتكز على الديمقراطية والمساواة بين مواطنيه بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية، وهذا هو الطريق الوحيد لكي يرى العراقيون الضوء في نهاية النفق الذي ينتظرونه منذ عقود.   

وقال المحلل السياسي صباح الشيخ لوكالة انباء (شينخوا) " هناك عدة تحديات تواجه العراق اهمها التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي من بعض دول الجوار، من خلال دعمها للعديد من الجماعات المسلحة وبعض الجهات السياسية، فضلا عن تحديات داخلية".   

وأضاف "أن الجماعات المسلحة بكل اشكالها وعناوينها، واحتمالية تحالفها فيما بينها ستشكل تحديا لا يستهان به للحكومة العراقية وقواتها الامنية، خصوصا، وأن القوات العراقية تحتاج إلى تفعيل الجانب الاستخباري لاختراق هذه الجماعات ومنعها من تنفيذ هجمات واحداث فوضى في البلاد".   

واوضح أن الخلافات الموجودة بين الكتل السياسية منذ فترة طويلة، وحالة عدم الثقة بينها، وعدم ايجاد حلول جذرية لها قد يعرض العملية السياسية التي تعاني اصلا من صعوبات، إلى هزة ستكون لها انعكاسات سلبية على الجميع.   

واشار إلى أن المناطق المتنازع عليها بين الحكومة المركزية واقليم كردستان، وقانون النفط والغاز من التحديات التي ستواجه العراق في مرحلة ما بعد الانسحاب الامريكي، وهذا ما عبر عنه صراحة رئيس البرلمان العراقي اسامة النجيفي عندما حذر من وقوع صراعات واشتباكات في المناطق المتنازع عليها وخاصة مدينة كركوك الغنية بالنفط.   

ورأى الشيخ ان قضية الاقاليم التي تطالب بها عدة محافظات دقت ناقوس الخطر بشأن وحدة العراق، مبينا أن فقدان الخدمات وانتشار البطالة والاعتقالات والميزانية القليلة تحولت إلى استغلال مشاعر الناس لتنفيذ اجندات خارجية لتقسيم البلاد.   

وتابع أن الحكومة المركزية ساهمت في اعطاء المبرر لبعض المحافظات للمطالبة في الاقليم من خلال السياسة غير العادلة وحرمان بعض المحافظات من تخصيصاتها في الميزانية، ووضع العراقيل امام بعض المحافظات لاسباب غير منطقية.   

ولفت الشيخ الى أن قضية اختيار وزيري الدفاع والداخلية، المعلقة منذ سنة، تعكس مدى عمق الخلافات بين الكتل السياسية، التي لم تتمكن خلال 12 شهرا من التوصل إلى اتفاق على شخصين لادارة هاتين الوزارتين المهمتين في الوقت الحالي.   

ويرى مراقبون أن هناك تحديا سيواجه العراقيين يتمثل في إعادة بناء بلد يشكو من دمار بسبب الحروب وبنية تحتية دمرتها القوات الامريكية، وارتفاع في نسبة البطالة، واكثر من 30 بالمائة من العراقيين تحت خط الفقر رغم أن بلدهم من اغنى دول العالم لما يملكه من نفط، فضلا عن تحديات أخرى لا تقل اهمية عن الارهاب والجماعات المسلحة ، منها الفساد المالي والاداري.   

وأقر طارق الهاشمي النائب السني للرئيس العراقي قبل عدة ايام بوجود قلق لدى الشارع العراقي من مرحلة ما بعد الانسحاب الامريكي قائلا "إن هناك قلقا لدى الشارع العراقي لما ستؤول إليه الأمور بعد الانسحاب الأمريكي، وعلينا أن نثبت للجميع إننا قدر المسؤولية وعلى استعداد كامل لتأكيد الوحدة الوطنية وبناء مجتمع عراقي موحد قوي قادر على مواجهة الأزمات وتحديد مصيره بيده".   

وعبر صالح المطلك نائب رئيس الوزراء عن وجهة نظر متشائمة لمرحلة ما بعد الاحتلال، عندما قال في تصريح لشبكة (سي أن أن) الأمريكية يوم امس الاول إن "الولايات المتحدة ستغادر العراق تاركة إياه بلا بنية تحتية، وإن العملية السياسية تتجه نحو المسار الخاطئ وهو الديكتاتورية".   

ويرى الملا ناظم الجبوري الخبير في شؤون تنظيم القاعدة أن الوضع الامني والسياسي في العراق مفتوح على كل الاصعدة خصوصا بعد انسحاب الامريكيين منه.   

وقال الجبوري لـ (شينخوا) "الوضع الامني في تدهور مستمر ورحيل الامريكيين ابقى خلفه مليشيات مسلحة مدعومة من ايران وقادرة على ارباك الوضع العراقي خصوصا انها تمتلك الغطاء السياسي بحكم وجود كتل سياسية تنضوي تحتها هذه الجماعات، فالكثير من عناصرها موجودين داخل المؤسسات الامنية العراقية وهذا يعطيهم الامكانية العسكرية والغطاء لتنفيذ مخططات خارجية أو تصفية خصوم معارضين لهم".   

واضاف "على صعيد الفصائل السنية فقد خرجت امريكا تاركة وراءها مئات المقاتلين المحتفظين باسلحتهم والمدعومين من بعض دول الجوار، التي ليس من مصلحتها أن يحظى حلفاء ايران من الاحزاب والساسة الموجودين على رأس السلطة باستقرار أمني يعطيهم الفرصة لتحقيق اهداف ايران في هذا البلد".   

واكد الجبوري أن التهديد الاكبر للعراق هو تنظيم القاعدة، معربا عن اعتقاده بعودة تنظيم القاعدة إلى بعض المحافظات السنية بصورة غير علنية، نتيجة سياسات الحكومة المركزية تجاه هذه المحافظات من حيث الاقصاء وعمليات الاعتقال والدهم.   

وحذر وزير الدفاع  الأمريكى ليون بانتا جوار العراق، خلال الحفل الختامى للانسحاب الأمريكى من العراق يوم امس، من التدخل فى الشأن الداخلى للعراق، وقال "لن نسمح لأحد بأن يمحو النجاحات العراقية بعد أن تمكنا من إنهاء وجود الديكتاتور وانطلق العراق نحو السلام والازدهار"، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تعمل على تطوير الشراكة مع العراق وفق اتفاقية الأطر الإستراتيجية الموقعة فى عام 2008.   

ويعتقد المحلل السياسي كمال ابو أدم أن الحل الافضل للخروج من الازمة القائمة بين الكتل السياسية وانهاء حالة التشرذم هو الجلوس على طاولة المفاوضات وطرح المشاكل العالقة كلها للحوار وفق اسلوب حضاري متمدن.   

واعتبر ابو أدم استكمال مشروع المصالحة الوطنية الذي طرحه رئيس الوزراء نوري المالكي قبل عدة سنوات وجمع الاطراف المعارضة بما فيها الجماعات المسلحة التي كانت تستهدف المحتل وضمها إلى العملية السياسية سيخفف من حدة التوترات وسيعطي دفعة للعملية السياسية، داعيا إلى تغليب المصلحة الوطنية للبلاد على المصالح الشخصية والحزبية والفئوية.   

وشدد على ضرورة تطوير مهارات وقدرات الاجهزة الامنية العراقية وخاصة الاستخبارية منها، لان المرحلة المقبلة تقتضى أن تمتلك هذه الاجهزة معلومات كافية عن خطط الجماعات المسلحة لافشالها قبل تنفيذها .   

وذكر ان مبادرة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الخاصة بتوقيع ميثاق شرف وطني بين الجميع بما فيها القوى المعارضة، وتحريم الدم العراقي، وتوحيد الصفوف ونبذ الطائفية والعرقية، كلها امور تساهم في تخفيف حدة التوترات والتقليل من حجم التحديات التي يواجهها العراق في مرحلة مابعد الانسحاب.   

من جانبه قال قيس ابو ليلى (موظف حكومي) "إن معالجة الاخطاء السابقة التي وقعت في العملية السياسية، وتصحيح مسارها وايجاد حلول صحيحة وحقيقية للمشاكل التي خلفتها فترة الاحتلال واعمال العنف التي جرت في السنوات الماضية، وتضميد جراح ذوي الشهداء من ضحايا الارهاب، سيكون نقطة ايجابية نحو السلام والوئام في المجتمع".   

ودعا ابو ليلى الحكومة العراقية إلى الاسراع في تنفيذ المشاريع الخدمية وتوفير الخدمات الاساسية للشعب العراقي الذي عاني الكثير، وتوفير فرص عمل للعاطلين وتوفير كل احتياجات الشعب، والالتفاف الى الايتام والارامل والمهجرين من ضحايا اعمال العنف.    

وتؤكد الحكومة العراقية على لسان ناطقها الرسمي علي الدباغ أن قواتها تدربت ووصلت إلى مستوى يمكن الاعتماد عليه، مضيفا أن المستوى الذي وصلت اليه القوات العراقية مطمئن وبشهادة الجميع" لكنه أقر بوجود خطر من قوى ارهابية وجماعات تمارس العنف والجريمة.     

يذكر أن الرئيس الامريكي باراك اوباما اعلن انه قرر سحب جميع القوات الامريكية من العراق حسب الاتفاقية الامنية الموقعة بين البلدين في عام 2008، والتي تنص على انسحاب القوات من جميع الاراضي والمياه والاجواء العراقية في موعد اقصاه 31 ديسمبر المقبل.   

لكن القوات الامريكية سلمت مبكرا الجانب العراقي جميع القواعد التي كانت تشغلها منذ 2003 والبالغ عددها 505 قواعد اخرها قاعدة الامام علي في الناصرية (350 كم) جنوب بغداد، وبذلك انهت واشنطن الصفحة العسكرية وتستعد للبدء في صفحة جدية من العلاقات السياسية والدبلوماسية.   

وستنهي القوات الامريكية مغادرتها للعراق قبل نهاية الشهر الجاري تاركة خلفها نحو مليون عنصر امن عراقي يبدون جاهزين للتعامل مع التهديدات الداخلية، إلا إنهم غير قادرين على حماية الحدود البرية والجوية والمائية، وفقا لمسؤولين عسكريين عراقيين وامريكيين فضلا عن بعض السياسيين العراقيين.