في الوقت الذي ترتفع فيه قيمة التعليم ومعدلات الإنفاق عليه في الدول المتقدمة؛ مازال التعليم الحكومي في مصر يعيش حالة من التردي بدأت منذ عقود ومازالت مستمرة، فرغم تعاقب الحكومات التي أولت لهذه القضية أهمية خاصة، إلا أنها فشلت جميعها في تحديد رؤية مستقبلية للتعليم؛ وإن كانت هناك تجارب ومحاولات إلا أنها لم تحقق نجاحًا كبيرًا على أرض الواقع، وهو ما يدعونا إلى التساؤل حول أسباب تراجع التعليم الحكومي وهل بات يعاني أزمة مستحكمة تجعله عاجزًا عن مواجهة متطلبات العصر؟

إن المتابع لمسيرة التعليم الحكومي في مصر، يجد أن فترة الازدهار الحقيقي له كانت بعد قيام ثورة يوليو عام 1952، حيث تعامل المصريون مع التعليم خلال تلك الفترة كأنه الماء والهواء، ومن ثم حصل ملايين المصريين على التعليم بالمجان أو ما يعرف بالتعليم الحكومي والذي أخذ في التراجع عقدًا بعد آخر، حتى تهدمت منظومته تمامًا في نهاية عهد الرئيس المصري السابق حسني مبارك.

ويمكن الربط بين التراجع الذي شهده الإعلام الحكومي خلال العقود الثلاثة الماضية وبين فشل العملية التعليمية برمتها، بدءًا من كثافة طلابية عالية في الفصول تدفع الطلاب إلى الهروب إلى الشارع، انتهاء بمعلم غير مؤهل بشكل كامل، فضلا على تدني أجره ما جعله يلهث وراء المادة والدروس الخصوصية دون اهتمام بالعملية التعليمة ذاتها.

 

أشباه المتعلمين

ووسط هذا وذاك، تلك المناهج التعليمية ذاتها التي تقوم على الطاعة والخضوع والتخويف، بالإضافة إلى بعض المناهج الدراسية المعقدة، حيث يتم «حشو» أغلبها بما لا طائل من ورائه.

و«الحشو» هو مصطلح أطلقه البعض على ما يشوب المناهج من تزاحم، وقيام العملية التعليمية على اقحام تلك المناهج على طريقة الحفظ والتلقين للطلاب للحصول على شهادة تعليمية حتى يقف بها الشاب في نهاية المطاف في صفوف العاطلين من أنصاف أو أشباه المتعلمين دون تعليم حقيقي أو الحصول على فرص عمل حقيقية؛ نظرًا إلى الفجوة الكبيرة التي أكدتها الدراسات والإحصائيات التربوية بين التعليم وسوق العمل.

وفي هذا الصدد، ليس غريباً أن يأتي بحث بريطاني نشرته صحيفة «ذي غارديان» البريطانية عن التعليم في مصر، ليؤكد البحث أن تردي التعليم الحكومي على مدار عقود متواصلة كان هو «وقود الثورة الحقيقي»، من خلال تنشئة أجيال كانت أرضًا خصبة للتمرد والمعارضة، بعد أن انشغلت عنهم حكومات الخصخصة في النظام السابق، بالتزامن مع فقر أجور المعلمين، حتى وصل الحال بالطلاب إلى تعاطي الدروس الخصوصية في جميع المواد بهدف النجاح فقط في الامتحانات.

ويلفت التقرير أن شعار ثورة يناير المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية كان خير مثال على تلك الحالة من السخط والتمرد على التعليم، حيث إن السواد الأعظم من شباب التحرير كان نتاج مدارس حكومية.

 

إحصائيات

وتتفق الإحصاءات مع التقرير السابق، في تردي التعليم الحكومي في مصر، حيث تذكر أنه خلال الفترة من 2000 إلى 2010، فشلت الجامعات المصرية في التواجد ضمن أفضل 500 جامعة على مستوى العالم، واتسعت الفجوة بين متطلبات سوق العمل ومؤهلات الطلاب.

هذا بخلاف ما أكدته الدراسات الاجتماعية والتربوية من تفشي ظاهرة العنف والانتحار بين طلاب المدارس، وتفاقم أزمة الدروس الخصوصية، واختفاء النشاط الطلابي ومجالس الآباء من المدارس، بالإضافة إلى هيمنة اللغات الأجنبية على النظام التعليمي وتقلص دور الكتاب المدرسي.