تنتشر ظاهرة التسول في مصر بشكل كبير في ظل المكاسب السريعة والكبيرة التي تتحقق لأصحابها من دون عمل شاق، حيث يتلاعبون في هذا الشأن بعواطف الناس إما بإظهار عاهاتهم، أو باللعب على وتر عاطفة الناس من خلال الدعاء المبالغ فيه، وغيرها من الأساليب المبتكرة للمتسولين التي تجبر الناس لا إراديًا على التبرع لهم بالمال رغم يقينهم بأن معظم هؤلاء المتسولين عصابات منظَّمة.

ولا توجد إحصاءات دقيقة ترصد ظاهرة التسول في مصر، غير أن تقريراً صادرًا عن منظمة العمل الدولية عام 2008 أشار إلى وجود ما يقارب المليون متسول في مصر لا يقل دخل الفرد منهم عن 300 جنيه يوميًّا ، وهو ماجعل المتسولون من اغنى طبقات المجتمع واكثرهم ثراء وهم بذكر ينهبون ثروات الناس عبر الاحسان ، في حين أشارت بعض الدراسات التي أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن هناك ما يقرب من مليوني متسول في مصر ويزداد العدد في المواسم والأعياد الدينية.

وتلفت تلك التقارير إلى تعدد طرق المتسولين في مصر في ابتكار وسائل وأساليب حديثة لاستعطاف الآخرين ذوي القلوب الرحيمة بطبيعتهم، فهذا مريض يحمل وصفات الأطباء لأدوية باهظة الثمن، وتلك امرأة تحمل طفلاً معاقًا، وآخر فقد نقوده ولا يملك ثمن عودته إلى منزله، وربما يكون طلب المساعدة بالقول أو من خلال ورقة مكتوبة ومطبوع منها عدة نسخ يتم توزيعها داخل وسائل المواصلات المختلفة وأمام المساجد وفي الميادين العامة.

وربما لكثرة وتنوع أطياف المتسولين يبدو الأمر لمن يراه أنه أمام جيش منظم يتحرك ضمن خطة مسبقة لابتزاز الناس، فالبعض يستخدم الآيات والسور القرآنية وغالبا ما تكون سيدة منتقبة، وآخرون من الأطفال يقومون ببيع المناديل في الإشارات المرورية.

هذا بخلاف متسولي «كل عام وأنتم بخير» وهي كلمة السر لأغلب المتسولين وخاصة في الأعياد والمناسبات، حيث يصل التسول (ديليفري) إلى المنازل، ففي شهر رمضان والعشرة الأوائل من ذي الحجة وغيرها من المناسبات الدينية ينتشر المتسولون في الأحياء الراقية وأحيانا الشعبية أيضا، يطرقون أبواب البيوت لطلب لما يسمى بـ«العدية».. وبخلاف الأعياد تعد تلك الكلمة: «كل عام وأنتم بخير» مفتاح حصول بعض الأشخاص مثل السايس وبواب العمارة وعامل النظافة وربما الموظف الذي ينهي بعض الأوراق للمواطنين على مبالغ مالية.

واللافت أن التسول أصبح لا يقتصر فقط على المحتاجين بل انضم إليهم ضعاف النفوس ومحترفو الكسب السريع، وإزاء ذلك انطلقت العديد من الحملات الإلكترونية لمواجهة الظاهرة منها حملة «كرامتي» التي قامت بها ساقية الصاوي بالقاهرة بمساعدة بعض النشطاء المدنين على «فيسبوك»، لمحاربة الظاهرة ومحاولة مساندة المتسولين. وكذلك حملة «آسف أنا معرفكش» والتي تستهدف مساعدة المحتاجين الحقيقيين والذين أغلبهم يرفضون التسول من خلال منظمات أهلية فقط، وعدم إعطاء المتسول الذي لا تعرفه مهما كانت روايته.

 

قنبلة موقوتة

ويعلق أستاذ نظم المجتمعات بجامعة حلوان د. رشاد عبداللطيف أن «إحدى أهم المشكلات التي تتعلق بظاهرة التسول، تتمثل في عدم وجود جهة نستطيع أن نستدل من خلالها على بيان إحصائي لعدد المتسولين، إلا أن الإحصاءات الرسمية متمثلة في وزارة التضامن الاجتماعي والداخلية تؤكد أنهم يتراوحون ما بين مليون ونصف ومليونين يتمركزون في بعض المحافظات دون الأخرى، فالقاهرة تحتل المركز الأول وتليها الإسكندرية إلا أنه بعد ثورة 25 يناير وما تبعها من أزمات مالية واقتصادية بدأت الظاهرة تنتشر في بعض المحافظات التي كانت تعتمد على قطاع السياحة الذي تأثر بالأحداث مثل الأقصر وأسوان وخاصة بين كبار السن.

 

ثلاثة أبعاد

ويشير أستاذ نظم المجتمعات إلى أن الحل يكمن في ثلاثة أبعاد، أولها تحمل الدولة مسؤوليتها الاجتماعية وعمل معاش تضامن اجتماعي مناسب لسد حاجة الأسر المحتاجة، والبعد الثاني يتمثل في قيام المنظمات الحقوقية بواجبها هي الأخرى من خلال إعطائها صلاحيات رسمية بإمداد الأسر المحتاجة بالمال والطعام في جميع المناطق والأحياء الشعبية والعشوائية بعد دراسة حالاتها، أما البعد الثالث فهو يقع على المجتمع بكل طوائفه في تحقيق العدالة والتكافل الاجتماعي، حتى لا يتحول المتسولون إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت.