دخلت الأزمة الطاحنة التي تعيشها واشنطن أسبوعها الثالث. وقد تدخل طور "الكارثة" كما يتردد هنا، إذا تعذّر رفع سقف الاقتراض لتوفير السيولة للخزينة، قبل الخميس القادم. بذلك تصبح الأزمة مضاعفة: لا ميزانية ولا سيولة لها. وبرغم ذلك لا حلحلة، حتى اللحظة. كل ما في الأمر أن لعبة المناورات والمساومات متواصلة على غير جدوى.

وليس ما يكفل عدم استمرارها حتى ما بعد الخميس برغم خطورة القفز من فوق هذا الاستحقاق. صحيح أنه حصل في السابق إقفال حكومي بسبب الخلاف على بنود الميزانية. لكن كان لمثل هذه اللعبة حدود. كانت تهدف إلى تسجيل مكاسب تنتهي عند تسوية وسط.

تناحر

اليوم مثل هذا المخرج متعذر بلوغه. فالسياسة في واشنطن ما عادت لعبة الممكن. صارت أقرب إلى التناحر. ثمة "اضمحلال في الحكم" بتعبير المحلل المعروف فريد زاكاريا. يردّ الأميركيون ذلك إلى خلل في أداء أجهزة النظام، لكن يبدو أن المشكلة أعمق.

فالخلل ضرب آليات النظام الأميركي نفسها. يتجلّى ذلك في تزايد العجز والقصور عن تقديم الحلول والمعالجات للمشكلات التي تراكمت مع الوقت. خاصة في الكونغرس الذي هبط رصيده إلى رقم قياسي. تحت العشرة بالمئة. نتيجة القصور اهتزت الثقة بالحكومة لدى الأميركيين.

والمحافظون عملوا على زيادة النفور منها أكثر. يعملون على تقليص دور الدولة في مجالات الرعاية. ليس فقط الجديد منها، كمشروع الرعاية الصحية الذي حققه أوباما. بل أيضاً الضمانات الاجتماعية والصحية للمسنين، المعمول بها منذ القرن الماضي. زعموا أن المشكلة في هذا الدور وليس مثلاً في خفض الضرائب على المداخيل العالية منها. أو في الإنفاق العسكري الهائل.

مقاربة مشوّهة انتجت ثقافة المشاكسة والعرقلة في تسيير عجلة التشريع وبالتالي الحكم. فاقمها الحفاظ على آليات تقادم عليه الزمن ويجري توظيفها للابتزاز، في مجلسي النواب والشيوخ. في الأول تمكّنت حفنة من يمين المحافظين أو ما يسمى بحزب الشاي، حوالي ثلاثين نائباً، من تعطيل دور المجلس؛ عبر تحذير رئيسه من طرح أي مشروع لا يحظى بموافقتهم، على التصويت.

طرح المشاريع على التصويت من صلاحيته لوحده، لكن هذه الصلاحية رهينة عصابة "الفوضويين" كما يسميهم البعض، الذين يتسلحون بآليات إجرائية في عمل المجلس كما في عملية انتخاب رئيسه الذي يخشى خسارة موقعه. من خلالها يجري تعطيل تمرير القوانين.

وكذلك الأمر في مجلس لناحية العمل بقواعد مصممة لتكون صمامات أمان، لكن يجري تسخيرها لتكون ادوات تعطيل. مثل الأكثرية المطلوبة الثلثين لمنع التصويت ولو لفترة قصيرة.

أو ما يمكن تسميتها بعملية التخريب "فيليبستر"، عن طريق استرسال أحد أعضاء المجلس بالكلام، أي كلام ، طالما استطاع الوقوف وراء الميكروفون واصلاً الليل بالنهار، كما فعل السناتور تاد كروز مؤخرا حيث استمر في حرق الوقت لمدة 21 ساعة متواصلة، فقط لتأخير الأمور وتسجيل موقف.

فيتوقراطية

هذه الآليات التي يجــرى استخدامها للعرقلة، معطـــوفة على تصــميم اليمين على فرض أجندته، ولو أدى الأمر إلى انهيارات غـــير مســبوقة؛ انتجت ما سمّاه المفكر السياسي فرنسيس يوكوهاما، "فيتوقراطية" بدلاً من الديمقراطية. قلة في الكونغرس تمسك بعجلة الحكم من خلال "الفيتو".

 ويزيد الطين بلّة أن السمة القيادية باتت شبه مفقودة في الحـــياة السياسية الأميركية، التي هي بأشد الحاجة إليها في هذه الظروف. في البيت الأبيض رئيس عالي الثقافة واسع الرؤية واصيل المعدن. يريد تحقيق التوازن والإصلاحات المطلوبة، لكنه يفتقد القــدرة على تسويق القرار واتخاذه.

وفي الكونغرس، ثمة تدهور كبير في النوعية القيادية. هذه بضاعة شحيحة، بل مفقودة. بدلاً منها تســود ثقافة المناكدة والإملاء. خلطة قادت المركب الأميركي إلى أزمته الراهنة.

في ضوء المعطيات والتوقعات، يبدو أن الأزمة تتجه نحو التفاقم. من المستبعد حسب معظم الترجيحات الوصول إلى مخرج قبل الخميس. وحتى التوصل إليه سيكون مؤقتاً. ومن هنا بدأ الحديث يتناول وضع ما بعد الخميس. ولإشاعة شيء من التطمين، يتردّد أن الخزينة قادرة على تسديد فوائد الديون 25 مليار دولار شهرياً ولغاية نهاية السنة: وذلك من المدخرات الباقية في وزارة المالية ومن الإيرادات المتوقعة حتى ذلك الحين والتي تقدّر بحوالي 550 إلى 600 مليار دولار. لكنها لن تقوى على الاقتراض الموازي 40% من الميزانية البالغة 3,7 تريليونات دولار - .

خطورة الأزمة الأميركية أن الظروف السياسية القائمة، لا تنتج في أحسن أحوالها، أكثر من حلول بالمفرّق وبالتأجيل. مما يبقي الأوضاع الأميركية واستطراداً الدولية في حالة من فقدان التوازن. أوباما يلتقي قادة الكونغرس لتدارك أزمة الدين

استدعى الرئيس الاميركي باراك اوباما قادة الكونغرس الاميركي الى البيت الابيض أمس في تكثيف للجهود لمنع دخول واشنطن في عجز تاريخي عن سداد ديونها يمكن ان يهز الاقتصاد العالمي.

وسيلتقي اوباما كبار اعضاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي في البيت الابيض ويطالب بان يرفع الكونغرس سقف الدين قبل الموعد النهائي يوم الخميس.

ودخلت الحكومة في الاسبوع الثاني من الاغلاق الجزئي الذي اضر بسمعة الولايات المتحدة وسيبدأ قريبا التأثير بشكل كبير على الاقتصاد الاميركي. ورغم المخاطر الكبيرة التي تشكلها الازمة على واشنطن والعالم، الا انه لم يتضح بعد مسار واضح لحل الازمة التي قد تكون الاخطر بين اوباما وخصومه الجمهوريين في الكونغرس.

وسيلتقي اوباما جون باينر رئـــيس مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمــــهوريون، وميتش ماكونيل رئيس الاقــــلية الجمـــــهورية في مجلس الشيوخ وهاري ريد رئيس مجــــلس الشيوخ الذي سيــطر عليه الديمقراطيون وزعيمة الاقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ.واشنطن أ.ف.ب