تصاعدت دعوات إعلام الأمة ومراكزها الدينية، أمس، للتحرك من أجل إصدار قرارات دولية لتجريم المسيئين للأنبياء، حيث دعا مفتي عام المملكة العربية السعودية عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، الدول والمنظمات الدولية إلى التحرك لـ «تجريم» الإساءة للأنبياء، تزامناً مع دعوة مشابهة أطلقها الأزهر الشريف في مصر، عبر مطالبته الأمم المتحدة بقرار دولي يقضي بعدم المساس بالدين الإسلامي، وفيما أخلت قوات الأمن المصرية ميدان التحرير ومحيط السفارة الأميركية في القاهرة من المحتجين، مع اعتقال 54 شخصاً على ذمة التحقيق، ومقتل شخص واحد في الساعات الأخيرة من الاشتباكات، أول أمس، خرجت تظاهرات في أكثر من بلد في العالم، كان أشدها عنفاً في أستراليا، التي شهدت اشتباكات عنيفة بين المتظاهرين والشرطة.
وأكد مفتي عام المملكة العربية السعودية رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء، عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، أن المحاولة الإجرامية البائسة بنشر الفيلم المسيء للنبي «لن تضر الجناب النبوي الكريم بشيء، ولا الدين الإسلامي». وشدد المفتي في بيان أصدره، أمس، على أن «استنكار المسلمين لهذه المحاولة الإجرامية يجب أن يكون وفق ما شرعه الله في كتابه وسنة رسوله، فلا يجرهم الحنق والغضب إلى أن يتجاوزوا المشروع إلى الممنوع، فيكونوا بذلك قد حققوا بعض أهداف هذا الفيلم المسيء من حيث لا يشعرون، ويحرم أن يأخذوا البريء بجريرة المجرم الآثم، ويعتدوا على معصوم الدم والمال، أو يتعرضوا للمنشآت العامة بالحرق والهدم». وناشد المفتي في ختام بيانه، الذي تضمن فقرات عديدة، المجتمع الدولي والمنظمات الدولية بالتحرك لتجريم الإساءة للأنبياء والرسل.
رسالة إلى بان
من جانبه، شدَّد شيخ الأزهر أحمد الطيب، في رسالة وجهها، أمس، إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، على أنه «لا بد من صدور قرارٍ دوليٍّ يقضي بعدم المساس برموز الدِّين الإسلامي ومقدّساته، الّتي يجترئ عليها بعض الحمقى والمضلّلين، ممّن لا يعرفون قيمة السلام الاجتماعي بين الشعوب، ويستبيحون تأجيج الفتن بينها»، داعياً إلى معاقبة من سمّاهم «المستهترين» الذين أقدموا على تلك الأفعال الشنيعة.
وقال الطيب إن «الأزهر الشريف، الذي يُعبّر عن ضمير الأمة الإسلامية، ويُعدّ مسؤولاً عن حماية مقدساتها ورموزها الجليلة، يتوجّه إلى الرأي العام العالمي، والعقلاء من المتديّنين أياً كانت عقائدهم، وإلى الشرفاء من أصحاب الرأي والفكر في العالم، أياً كانت مواطنهم، أن يستنكروا هذا العمل اللا مسؤول الذي يهدِّد سلام العالم والعلاقات الإيجابية بين الأمم والشعوب».
وتابع الطيب رسالته بالقول إن «الأزهر الشريف ينادي السيّد بان كي مون أمين عام الأمم المتحدة، وأول واجباته حماية السّلم العالمي من كل تهديد أو عدوان»، وتساءل «أليس هذا العبث اللّا مسؤول، أيها السيد الأمين العام، يُماثل دعَاوى المساسِ بالسّامية التي تستنكرونَها في كل حين، والّتي تصدر الأحكام ضد المتهمين بارتكابها في العديد من بلاد العالم، ولو كانوا من كبار المفكرين والعلماء؟».
وأضاف «لقد آن الأوان لصدور هذا القرار بتجريم المساس بالرموز الإسلامية، ورموز سائر الأديان العالمية، بعد ما وقع من عدوان عليها تسبب في تعكِير السلام العالمي، وتهديد الأمن الدولي، وهما المسؤولية الأولى للمنظمة التي تتولون أمانتها، وتقومون على شؤونها؛ ضماناً لعدم تكرّر هذه الأحداث الخطيرة في المستقبل، ولكي يلقى المستهترون الحمقى من مرتكبيها جزاء ما صنعوا، ولن يُجدي في هذا الموقف الخطير التزام الصمت، فهو موقف لا يليق بالشرفاء والمسؤولين».
إخلاء ومعتقلون
ومن «أزهر» القاهرة إلى ميدان التحرير فيها، حيث أخلت قوات وزارة الداخلية المصرية، الميدان من المتظاهرين، وقامت بإخلاء الشوارع والساحات المحيطة بالسفارة الأميركية، التي شهدت خلال الأيام الماضية اشتباكات عنيفة، كان آخرها ضحية أصيب بعيار ناري في ساعة متأخرة من ليل الجمعة.
وأعلنت الداخلية المصرية اعتقال 220 على خلفية اشتباكات السفارة الأميركية، وأنها قامت بالتحفظ، لأربعة أيام، على 54 شخصاً على ذمة التحقيق.
وعادت حركة المرور إلى طبيعتها وسط القاهرة، وساد الهدوء شوارع المدينة، وظهرت عربات البلدية وهي ترفع الأنقاض التي خلفتها الاشتباكات.
فوضى الدبلوماسية في السودان
وغير بعيدٍ عن مصر، سعت الخرطوم إلى لملمة الفوضى الدبلوماسية التي خلفها هجوم الآلاف على سفارات واشنطن ولندن، وسفارة برلين التي علقت عملها إلى إشعار آخر، فيما حض نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، نظيره السوداني علي عثمان طه، على حماية الدبلوماسيين في الخرطوم.
وقال البيت الأبيض، إن بايدن أجرى اتصالاً هاتفياً مع طه، عبر فيه عن «قلقه على أمن السفارة الأميركية والبعثات الأجنبية الأخرى في الخرطوم». وأضاف أن بايدن «أكد من جديد على مسؤولية الحكومة السودانية في حماية المؤسسات الدبلوماسية، وتأمين حماية الدبلوماسيين في الخرطوم». وتابع البيان أن بايدن «أكد أن أول أولوية للولايات المتحدة هي سلامة الدبلوماسيين الأميركيين في الخارج».
خارج النطاق
وخارج النطاق العربي والإسلامي، شهدت سيدني أستراليا أمس، احتجاجات تطورت إلى اشتباكات عنيفة بين حشود من المتظاهرين المسلمين وقوات الشرطة ومكافحة الشغب، التي استخدمت الهراوات والغاز المسيل للدموع. وقالت الشرطة إن ستة ضباط أصيبوا، وإنها اعتقلت ثمانية محتجين.
وفي إندونيسيا، تظاهر مئات الأشخاص، أمس، وسارت التظاهرات بهدوء. وكذلك هو الحال في التظاهرات التي شهدها الجزء الهندي من كشمير.
تحريض «القاعدة»
حرض تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، ومقره اليمن، المسلمين على تصعيد احتجاجاتهم، وقتل مزيد من الدبلوماسيين الأميركيين في الدول الإسلامية بعد الفيلم المسيء، وقالت القاعدة إنه فصل جديد في «الحروب الصليبية» ضد الإسلام.
وقال التنظيم: «من ظفر من إخواننا المسلمين بسفراء أميركا أو مبعوثيها، فله خير قدوة في فعل أحفاد عمر المختار في ليبيا ـ الذين قتلوا سفير أميركا ـ جزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء» في إشارة إلى هجوم الثلاثاء على القنصلية الأميركية في مدينة بنغازي بليبيا. وحض التنظيم أيضاً المسلمين الذين يعيشون في الغرب على مهاجمة الأهداف الرئيسة.




