إن المتتبع لمجريات الأحداث في تونس سرعان ما يلاحظ أن أهم تحدٍ يواجهه قادة تونس الجدد هو الأمن الذي بات غائباً عن البلاد وهو ما أدركته الحكومة بعد أن اجتمع التطرف والسلاح في ظل تراجع هيبة الدولة. ومثّلت حادثة ولاية صفاقس التي جدت الأربعاء الماضي جرس إنذار، خاصةً بعد أن تبيّن أن المتورطين فيها ينتمون إلى تيار السلفية الجهادية وأغلبهم ممن كانوا في السجون وحوكموا قبل الثورة طبق قانون مكافحة الإرهاب الذي أقره النظام المخلوع في العام 2002.
وأكد الرئيس التونسي منصف المرزوقي، ضرورة «الشروع الفوري في تدعيم إجراءات السيطرة والتحكم في البوابات الحدودية وتعزيز مراقبتها ووضع كل الإمكانيات اللازمة لدعم الحضور الأمني على الحدود». وأوضح بلاغ صادر الرئاسة أن المرزوقي شدد بعد دراسة المستجدات الأمنية بالبلاد في ضوء المواجهات المسلحة الأخيرة في منطقة بئر علي بن خليفة من ولاية صفاقس، على ضرورة مواصلة التنسيق بين قوات الأمن وقوات الجيش لتحقيق هذا الهدف، مشيراً إلى أن «معالجة هذه المسألة تتطلب حتماً التنسيق مع دول الجوار»، وهو ما سيسعى إلى تفعيله خلال الزيارات المغاربية المقبلة، معرباً عن «ثقته في قدرة رجال الأمن والجيش التونسيين على فرض الأمن والحفاظ على الاستقرار».
شراسة قتالية
وشهدت البلاد الاربعاء والخميس الماضيين الكشف عن متطرفين، وهم بصدد نقل أسلحة وذخيرة من جنوب البلاد إلى شمالها، بعد تهريبها من داخل التراب الليبي عن طريق ولاية تطاوين الحدودية، حيث تم قتل مسلحين تبين أنهما من مواليد العام 1985 وسبق لهما ان أدينا في ظل النظام السابق بتهمة الانتماء إلى جماعة إرهابية ثم أطلق سراحهما بعد ثورة 14 يناير، وألقت قوات الأمن والجيش القبض على عنصر ثالث من مواليد العام 1991 دلّ أثناء التحقيق معه على جماعة متطرفة في مدينة سيدي علي بن عون من ولاية سيدي بوزيد تم القبض على خمسة من أفرادها.
وكانت قوات الأمن والجيش فوجئت بمستوى شراسة المسلحين وقدرتهم على المواجهة الميدانية في معركة استمرت ساعات طويلة واستعملت فيها القوات الحكومية الطائرات المروحية، كما استغرب المحققون من إصرار المسلحين على عدم كشف هوياتهم الحقيقية، حيث إن احدهم عندما قتل استحوذ مراقفه على وثائقه الخاصة، وقام بإتلاف وثائق المأمورية الخاصة، غير ان القوات الحكومية عثرت لدى الثاني على وثائقه ووثائق مرافقه الشخصية بعد قتله، في حين فر المسلح الثالث ولم يتم العثور عليه إلا بعد أن قام سكان محليون بإعلام الجهات الأمنية عن موقعه.
«القاعدة» على الخط
وعلمت «البيان» أن التحقيقات أكدت ارتباط الجماعة بتنظيم «القاعدة» في بلاد المغرب الإسلامي، وان نقل الأسلحة إلى شمال البلاد كان بهدف الإعداد لعمليات نوعية ضد مؤسسات حكومية خلال الأيام المقبلة.
وكانت تونس أطلقت بعد الثورة سراح المئات ممن حوكموا في ظل النظام السابق بتهمة الإرهاب، وسمحت بالعودة لعشرات «السلفيين الجهاديين» القادمين من العراق وأفغانستان وباكستان وغيرها دون مراقبة أمنية، كما أكدت السلطات سيطرة التيارات السلفية الجهادية عن عدد مهم من المساجد، وعلى بعض المناطق والأحياء الشعبية ومنها مدينة سجنان التي أكدت وسائل الإعلام التونسية أنها أصبحت «إمارة إسلامية» وهو ما أيدته تحريات خاصة قامت بها الرابطة التونسية لحقوق الإنسان.
الأحزاب السياسية تندد
في هذه الأجواء، نددت الأحزاب السياسية بالأحداث المسجلة أواسط الأسبوع الماضي، معبرة عن رفضها مسك السلاح من قبل «الخارجين عن القانون وعصابات تهريب السلاح» وعن تعاطفها مع ضحايا هذه «المؤامرة الدنيئة»، على حد تعبيرها.
وأكد حزب العدالة والتنمية في بيان وقوفه اللامشروط من أجل حماية الوطن والدفاع عن أهداف الثورة، مستنكراً استعمال العنف مهما كان مصدره وأسبابه وغاياته، ومحذراً «قوى الردة من أي محاولة لاستغلال الوضع العام الصعب للرجوع بتونس إلى عهد الاستبداد».من جهتها، نددت حركت التجديد في بيان بلجوء تونسيين ضللتهم الأفكار السلفية الجهادية إلى حمل السلاح والتخطيط لعمليات عنيفة داخل التراب التونسي، مشددةً على خطورة تنامي انتشار هذا التيار ومطالبة الحكومة بمواجهة هذه الظاهرة بكل جدية وصرامة وتطبيق القانون.
وفي حين دان حزب المبادرة في بيان الاحتكام إلى السلاح «تحت أي عنوان وفي أي ظرف»، مشيداً بـ«الوقفة الشجاعة والباسلة لوحدات الأمن الداخلي والجيش الوطني ويقظتهما الدائمة للذود عن حرمة الوطن».. دعا حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات إلى الالتفاف حول مؤسسات الدولة حتى يتم الكشف عمن يقف وراء هذه العمليات التي تستهدف استقرار تونس وسلامة الوطن، كما عبر عن مساندته اللامشروطة لوحدات الجيش الوطني وكامل تشكيلات الأمن.
