يرى كثير من النشطاء أن تأخر الثورة السورية في تحقيق أهدافها وتطلعاتها، كان إيجابياً لجهة إفساح المجال أمام عامة الناس لتطوير خطابهم السياسي، بعد أن كان مغيباً منذ عقود، لكن البعض يرى أن مشاركة الناس في النقاش حول الشأن العام تسودها مشاحنات كلامية وعراك جسدي بين أنصار الموالاة والمعارضة، وخاصة العراك الذي يدور رحاه بين طلبة المدارس والمشاحنات الكلامية بين الأخوة، وتعالي أصوات رواد المقاهي.
ويرجع النشطاء هذه التشنجات، إلى افتقار المجتمع لثقافة ديمقراطية متجذرة، تجعل من قبول الرأي الآخر أمراً صعباً.
وظهرت علامات الانقسام في صفوف طلبة الابتدائي، على اعتبار أنهم أكثر الشرائح عرضة لتأثير وتقليد لما يشاهدونه عبر وسائل الإعلام، فضلاً عن أنهم أشعلوا الانتفاضة السورية.
شجارات الطلبة
ويروي المدرس محمد رضوان (29 عاماً) قصصاً عن تصرفات الطلبة في المدارس الابتدائية في مدينة قطنا في ريف دمشق، فقد انقسموا حسب تعبير رضوان «بين معارض ومؤيد حيال قتل الأطفال وتعذيب المعتقلين واقتحام المدن، لتصل وتيرة الصراع بينهم إلى العراك والشتم المتبادل في فترة الاستراحة»، لافتاً إلى أنه «رغم نداءات الأهل لهم بالابتعاد عن الحديث في محاذير السياسة وترديد الشعارات المناوئة للنظام في الشارع والمدرسة خشية من الاعتقال والضرب على يد أجهزة الأمن، إلا أنهم يعبرون عن مكنوناتهم الداخلية في المدرسة وخلسة عن أعين الأهل.. مما أصبح ضبطه أمراً صعباُ رغم استدعاء الإدارة لأولياء الأمور مراراً لكن دون نتيجة تذكر».
صراع الأخوة
وانتقلت عدوى الخلافات في الرأي إلى أروقة الأسرة نفسها، فقد باتت الانتفاضة السورية تفرز مفاهيم جديدة وتقود الأخوة إلى العراك والضرب. وفي هذا السياق، يقول فايز (38 عاماً) و يعمل دهاناً إنه تشاجر مراراً مع أخيه الذي يعمل في السلك العسكري «جراء دفاعه المستميت عن الحل الأمني، الذي ينتهجه النظام وتسويقه حججاً واهية تطعن بشرعية الانتفاضة ومطالب الشعب، خشية من فقدان وظيفته في الدولة».
ويضيف فايز الذي خرج في عدة تظاهرات بأحياء دمشق« أرفض اتخاذ موقف الصمت وعدم التنديد بالجرائم الوحشية ضد أبناء جلدتي من قبل السلطات السورية التي لا تفرق بين طفل وشيخ ».
وانتقلت عدوى السجال السياسي إلى أحاديث النساء، فبعد أن كان محور الحديث يدور عن الموضة والأزياء والطبخ والهوس في متابعة الدراما، أصبح الشأن العام يطغى على نقاشاتهن.
وربات البيوت أيضاً
وتؤكد هدى (45 عاماً) وهي ربة منزل أن «أهم ما يشغل بال سيدات المنازل هو الشأن العام، حيث باتت أحاديثهن تتركز على آخر مستجدات الأمور السياسية والأمنية، وتدور فحواها عن عدد القتلى، ونقاط التظاهر، وقسوة أجهزة الأمن مع المتظاهرين، وهل المدن الصامتة اشتركت هذه الجمعة في التظاهرات أم لا؟ لافتة إلى أنهن استبدلن مشاهدة المسلسلات التركية بمواكبة نشرات الأخبار والأحداث الجارية في البلاد.
ومن جهتها ترى رئيسة الهيئة السورية لشؤون الأسرة د. منى غانم أن الناس بدأت تهتم بالمواضيع السياسية بعد حرمانها المشاركة منذ فترة طويلة في الحياة العامة، إلا أنها اعتبرت أن الحديث لوحده غير كافي ولا بد أن يتطور إلى أفعال وسلوكيات تنظم ضمن منظمات سياسية ومدنية، مشيرة أن دافع اهتمام السوريين بالسياسة ناتج عن وطنيتهم والخوف على مصيرهم، والميل نحو إيجاد حلول سلمية تخرج البلاد من عنق الزجاجة.
وتضيف غانم، والتي تشغل منصب نائبة رئيس تيار بناء الدولة المعارض، أن «الوضع السوري على المحك لذا يجتهد كل سوري في تقديم مواقفه والكشف عن ذاته والتفاعل مع الآخرين، إلا أن الغياب عن المعترك السياسي أفضى إلى صعوبة قبول الرأي الآخر، وطغيان لغة الشتم والتخوين بين الناس، لافتة إلى ضرورة قيام المثقفين والناشطين بتنوير طريق العملية الديمقراطية، وتفسيرها بأنها ليست فكرة جاهزة قابلة للتطبيق مباشرة، بل تتطلب فترة زمنية طويلة حتى تتأقلم الناس معها وتتفاعل مع الرأي الآخر دون الدخول في الصدامات والمشاحنات.