يسعى حكام تونس الجدد عبر «رسائل طمأنة» الى التأكيد للشركاء الاوروبيين على أنهم لن يتراجعوا عن المكاسب الحداثية، ولن يتمسكوا بالحكم الى ما لا نهاية، وأنهم لن يعملوا على تغيير النموذج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي المعتمد في تونس منذ استقلالها في العام 1956، في وقت ترتفع فيه الأصوات من الداخل مشككة في خيارات الائتلاف الثلاثي الحاكم والذي تتزعمه حركة النهضة الاسلامية، خصوصا مع اتساع الظاهرة السلفية الى حد التصادم المباشر مع قوات الامن والجيش، والاعتداءات المتكررة على الاعلاميين وبعض الفاعلين في الحياة السياسية والاكاديمية، وارتفاع شعارات التخوين والتكفير والتحقير من شأن بعض الأطراف التقدمية واليسارية التي يتهمها اسلاميون راديكاليون بالولاء للغرب ومحاولة ارباك عمل الحكومة الحالية.
وكان رئيس الحكومة التونسية حمادي الجبالي شدد أمام البرلمان الاوروبي في بروكسل على أن هدف حكومته «يتمثل في إنجاح مسار الانتقال الديمقراطي من أجل بناء دولة القانون وإرساء نظام ديمقراطي لأول مرة في تونس والعالم العربي». معلنا أن «الانتخابات المقبلة «ستنتظم خلال فترة لا تتجاوز 18 شهرا من الآن». ما يعني انها ستكون أواسط ربيع أو بداية صيف 2013.
حقوق وحريات
وتعهد الجبالي بأن تسهر الحكومة على «احترام الحريات والمحافظة على مكتسبات المرأة وضمان حقوق الإنسان وتطبيق الانفتاح الاقتصادي واحترام حرية المعتقد والدفاع عنها وتطوير المكاسب الاجتماعية». وهي الرسالة التي وجهها رئيس الحكومة إلى أوروبا والتي تتطلع تونس إلى إرساء «فضاء للسلم والتقدم والديمقراطية معها»، في محاولة منه للإجابة عن السؤال الحارق الذي ما انفك يطرح في تونس وعلى ألسنة عدد من المسؤولين الاوروبيين بشأن «مدى التزام حكام تونس الجدد بقيم الحرية والديمقراطية والحداثة والتداول السلمي على السلطة واحترام حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين وحرية الاعلام والتعبير والتنظيم وحقوق الانسان».
رغبة أوروبا
وأعرب رئيس البرلمان الأوروبي مارتان شولز عن رغبة أوروبا في مصاحبة تونس في عملية انتقالها الديمقراطي، شرط أن تكون مرتبطة بـ «تحسين ظروف عيش التونسيين ودعم التشغيل». وقال إن «تحقيق هذا الهدف يقتضي طمأنة الأوروبيين على السياسة المعتمدة من قبل حزب النهضة الذي يشارك في تسيير دواليب الحكم في تونس». وهو ما يؤكد التخوف الاوروبي من أي محاولة قد يقدم عليها الاسلاميون في تونس للسيطرة على الحكم واخضاع دواليب الدولة لأهدافهم الحزبية ثم الانقلاب على المسار الديمقراطي.
مخاوف وتطمينات
وهذه المخاوف تجتمع أيضاً بصورة واضحة وكبيرة لدى أصدقاء الغرب من التونسيين ولدى التيارات السياسية والثقافية المرتبطة أساسا باليسار أو بالنموذج السياسي المعتمد سابقا في البلاد والذي أسس له الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة على مبادئ منفتحة على الثقافة الغربية، طالما انتقدها الاسلاميون ورأوا فيها ضربا للهوية الحضارية والدينية للشعب التونسي.
وجاءت زيارة حمادي الجبالي الى بروكسل للتأكيد على أنه ومن منطلق موقعه الحزبي كسكرتير عام لحركة «النهضة» وأحد أهم قياداتها وكرئيس للحكومة الائتلافية، قادر على تقديم جميع الضمانات والتطمينات التي تريح الجانب الاوروبي والغرب عموما، من حيث أن تونس لن تتراجع عن خصوصياتها الثقافية والحضارية والاجتماعية التي عرفت بها طيلة العقود الماضية.
كما جاءت «تطمينات» الجبالي للغرب بأن الاسلاميين التونسيين لن يمارسوا أي شكل من أشكال التشدد أو الانقلاب على ثوابت المجتمع، ولن يسمحوا للأطراف المتشددة بالمساس بالحريات العامة والخاصة سواء بالنسبة للمواطن التونسي أو بالنسبة للمستثمر أو السائح الاجنبي، خصوصا وأن هناك اجماعا في تونس على حساسية الواقع الاقتصادي وارتفاع مستوى التململ الاجتماعي وعلى أهمية الدور الاوروبي في أي محاولة للخروج من الازمة، في حين أن الاوروبيين مازالوا يكتفون بالمراقبة وتأمل ما يجري في البلاد، لتحديد مواقفهم من مستقبل العلاقات مع تونس.