خضعت التشكيلات السياسية المختلفة في سوريا والتي ظهرت معظمها كإفراز جانبي للثورة السورية إلى عملية فرز سياسية على مدى عشرة أشهر من حيث شدة الموقف من النظام. وكان لافتاً تأخر ظهور الفرز العمودي الأيديولوجي لهذه التيارات.
فالمجلس الوطني السوري يضم قوى يهيمن عليها الإسلاميون لكنها تضم أيضاً في صفوفها يساريين وقوميين وأكراد وممثلين عن الأقليات الدينية. وهذه الفئات الأخيرة باتت تشعر خلال الفترة الأخيرة بنوع من التهميش.
وتمكّن ائتلاف القوى العلمانية الديمقراطية الذي أعلن عن تأسيسه في أواخر يناير الماضي في القاهرة من جذب العديد من هذه القوى والشخصيات سواء المستقلة أو المنتمية. ويأتي هذا الائتلاف «من أجل توحيد الجهود في دعم الثورة السورية على الصعد السياسية والميدانية والمالية كافة، بما يخدم انتصار الثورة، والتحول إلى بناء دولة مدنية حديثة على أسس من المواطنة الكاملة» للشعب السوري.
ظاهرة صحيّة
ويقول منسق الائتلاف والناطق الرسمي باسمه حسام ميرو لـ«البيان» إن «ظهور تيارات جديدة هي ظاهرة سياسية صحية تؤكد على حيوية الثورة السورية»، منوهاً إلى أن الائتلاف أكد على مطلب «الدولة المدنية الحديثة» .
وليس فقط الدولة المدنية، «ذلك أن المعنى الذي ينطوي عليه المفهوم الثاني (الدولة المدينة) هو مفهوم فضفاض سياسيا، أما الدولة المدنية الحديثة فهي تعبير سياسي عن الديمقراطية القائمة على أساس المواطنة الكاملة التي تلغي الفوارق القانونية بين الأفراد والجماعات، وهي تناسب مجتمعاً متنوعاً من الناحية الدينية كالمجتمع السوري..الدولة المدنية الحديثة هي التي تقوم على ضمان حرية العقيدة لكل الأديان والطوائف من دون ان تكون هناك حاكمية لأحدها على الأخرى».
وتتقاطع بعض البنود التي أقرها الائتلاف في بيانه الختامي مع العديد من التيارات السياسية مثل إسقاط النظام بكل رموزه، وتقديم الدعم اللازم للثورة، إلا أن البيان الختامي كان قاطعاً من حيث الابتعاد عن الغموض في الموقف من الجيش الحر.
فمع تأكيده على سلمية الثورة، اعتبر أن «الجيش السوري الحر جزء من القوى التي وضعت نفسها في خدمة تحقيق أهداف الثورة» لكنه أشار إلى نقطة تستأثر باهتمام كبير لدى الأوساط العربية والدولية المعنية بالشأن السوري وهو الاطار الذي ينبغي ان يعمل ضمنه المنشقون، فأكد الائتلاف «على ضرورة ان يكون هذا الجيش تحت إمرة القيادة السياسية الموحدة للانتفاضة». ويوضح ميرو أن الجيش الحر أصبح احد مكونات الانتفاضة رداً على القمع الشديد للنظام ضد المتظاهرين السلميين.
موازنة النفوذ
ورغم أن العلمانيين الذين يأملون في كسب أقرانهم الممثلين وغير الممثلين في التيارات الفضفاضة أيديولوجياً لا يشيرون صراحة إلى التيار الاسلامي، لكن لا يمكن قراءة تشكله من دون إغفال القلق الذي بدأ يسري في الأوساط العلمانية السورية من هيمنة الاسلاميين على التيار الأقوى في المعارضة وهو المجلس الوطني.
وهي محاولة لموازنة نفوذ الاسلاميين ميدانياً وسياسياً. ويأمل العلمانيون، الذين فشلوا منذ بداية الانتفاضة في تشكيل كتلة قوية داخل التيارات السياسية العريضة ويكونوا قوة ضغط، في كسب الأصوات المترددة والمحايدة على خلفية مخاوف طائفية واجتماعية من تعرضهم إلى التهميش، إضافة إلى توفير إطار لتنظيم العلمانيين الذين انضووا في ائتلافات غير واضحة في علمانيتها.