ذهبت نداءات رئيس الوزراء المصري كمال الجنزوري لمحاولة إقناع المتظاهرين الذين يحاولون اقتحام وزارة الداخلية سدى، فلم يجبه سوى «رجع الصدى»، لأن النخب باتت تعاني من أزمة لا تقل عن أزمة بلادهم، وانحسار تأثيرهم في الشارع، ما يعني أن السلطات غدت تبحث عن صوت الحكمة (الغائب) لدى من لديهم التأثير. ويبدو أن الجنزوري نسي أو تناسى أن «العقل الجمعي» لبلاده أصبح الآن «خارج الخدمة»، وأن جميع الأطراف التي يطلب مساعدتها، وبالتحديد «النخبة» التي توجه الرأي العام، لم تعد تمتلك القدرة على الفعل والتأثير، لاسيما وأن السياسات التي تم اتباعها في المرحلة الانتقالية، وأنهار الدماء التي سالت منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، لا تسمح لأحد بمحاولة «إعمال العقل» في إقناع متظاهرين غاضبين لا يرون حلاً لمعضلة ثورة لم تكتمل وكرامة تهدر يومياً، وأرواح تزهق من دون وجه حق، سوى «كسر رأس أعتى مؤسسة أمنية استخدمها النظام السابق في إذلال معارضيه»، ولاتزال «تتآمر» على إنجازهم التاريخي الوليد، كما يتصورون.
ليس هذا فقط، بل إن هذه النخبة التي يطلب الجنزوري مساعدتها، هي في حد ذاتها بحاجة للمساعدة ومد يد العون لها، لأنها لم تحدد بوصلتها جيداً بعد الثورة، فبعضهم اتجه سريعاً عن غير «إيمان» للانضمام لمركب الثوار «الرابح»، يمتدحهم ليل نهار، من دون أن يحاول «ترشيد» فعلهم الثوري الذي تحول في أوقات كثيرة إلى «عبث» وفوضى من نار تقترب كل يوم من حرق «مؤسسات الدولة»، وهم غير مدركين أن لحظة «الانهيار» تبدو وطبقاً لتفاصيل المشهد الراهن الملتهب «أقرب من أي وقت مضى».
بعض آخر من هذه النخبة لم يرد الاقتناع بأن هناك ثورة عظيمة حدثت، وأن تغييراً جذرياً سيلامس بنية المجتمع وهيكل السلطة فيه، وقرر «مسايرة» النظام الحاكم حتى لو كان «مؤقتاً» والاستماتة في الدفاع عنه «ظالماً أو مظلوماً» لم يدله على الطريق الصحيح فدخل في «منعرجات خطرة»، ولم يصوب أخطاءه فتحولت إلى «خطايا» وتغزل في سياساته وقراراته ليس حباً فيه بقدر ما هو تخوف «غير مبرر» من طبقة جديدة نتاج «أيديولوجيا مخالفة» تستعد لاعتلاء كرسي السلطة الوثير.
صوت منخفض
جزء ثالث من هذه النخبة وهو «قليل للغاية» يعرف الحقيقة جيداً ويدرك المخاطر تماماً، ولديه القدرة على «إعمال العقل» في القضايا المصيرية للمجتمع، لكن للأسف صوته منخفض لا يستطيع التحرك في ظل حالة الاستقطاب السائدة، وفي خضم تنافس إعلامي وصراع فضائي يسمح فقط بضوء كثيف على أصحاب «الصوت العالي» سواء من «المهللين» للثوار أو «المزمرين» للمجلس العسكري، ولا يهمه في ذلك سوى «الضجة» التي تترجم في نسبة مشاهدة عالية، لتتحول إلى إعلانات كثيرة، تزيد الأرصدة البنكية لحفنة من رجال الأعمال تمتلك تلك القنوات، ولا تعرف أو تقدر معنى عبارة «أمة في خطر».
هذه الأطراف الثلاثة للنخبة والمفترض بها التعبير عن «العقل الجمعي» تعيش أزمة حقيقية لا تقل حدة عن أزمة مصر ولا تستطيع مد يد العون للجنزوري الذي عليه التوجه إلى جهة أخرى وهي المجلس العسكري الذي عليه الآن وقبل أي وقت مضى اتخاذ قرارات «جريئة» تحافظ على ما بقي من كيان الدولة، وتحديد خريطة طريق سياسية جديدة تقنع الغاضبين بأن ثورتهم ستحقق ما يحلمون به من تغيير يعيد إلى بلادهم وضعها ودورها التاريخي من دون أن يشعر بـ«الهزيمة»، لأنها ليست معركة مع عدو بل اختلاف حاد في التقدير والرؤية ووجهات النظر مع أبناء الوطن الذين يتطلعون لدولة مدنية ديمقراطية تضع الجميع على قدم المساواة.