بات من الممكن القول، في ضوء نتائج انتخابات التصفية التي جرت حتى الآن بين مرشحي الحزب الجمهوري لخوض انتخابات الرئاسة الأميركية، خاصة في ولاية فلوريدا المهمة، إن المعركة صارت عملياً محصورة في اثنين منهم من أصل أربعة كانوا من بين ثمانية في البداية: مِت رومني ونيوت غينغريتش. الأول مقبول على مضض في صفوف الناخبين المحافظين. والثاني من رموز الصقور المرغوبين لدى هذه القاعدة، لكن صدقيته مشروخة. كلاهما من المشرب السياسي التقليدي نفسه، الذي لا جديد فيه. وكل منهما معطوب ووصولي مكشوف وملطّخ بدرجة أو بأخرى؛ مالياً أو سلوكياً. غياب التمايز الملحوظ بينهما فرض عليهما منافسة سلبية، تقوم على "نشر الغسيل" والتبشيع والتشنيع بالخصم، لتنفير الناخب منه. فتح الدفاتر المتبادلة قدم خدمة مسبقة للرئيس باراك أوباما، حيث زوده التراشق العنيف بينهما بقائمة طويلة من المآخذ والمستمسكات يمكنه توظيفها ضد من يرسو عليه الخيار النهائي مرشحاً للحزب. وكلها من العيار الوازن والمؤذي، حتى لدى أهل البيت الجمهوري.
رومني المشكوك في انتمائه إلى خندق اليمين، صعد برافعة المؤسسة الحزبية، وماكينتها المالية والدعائية. فهو مرشح النخبة القيادية الجمهورية وامتداداتها في وول ستريت عالم المال والمصارف في نيويورك الذي أغرق حملة رومني بالدعم المالي، حيث بات يتفوق في هذا العصب الانتخابي المهم وبما لا يقاس على بقية المرشحين معاً، لكن ذلك كله ما كان ليشفع له لولا احتضان مرجعيات الحزب وحراسة القدامى له الذين وضعوا ثقلهم ليس فقط وراء حملته، بل أيضاً ضدّ غينغريتش المتمرد، رغم كونه ينتمي إلى الخندق نفسه ويدين بالأيديولوجيا نفسها. رموا برصيد الحزب وعلاقاته ومفاتيحه في الميدان لتعويم رومني، الذي عانت بداية حملته من الفتور والتعثر. ونجحوا في ذلك، بل في ترجيح الاعتقاد، إن لم يكن تعميمه، بأن المعركة باتت عملياً محسومة لصالح اعتماد رومني مرشح الجمهوريين ضد الرئيس أوباما. تقدير مبكر ويستدعي بعض التحفظ. على الأقل لأن الحملة مازالت في بداياتها. لكنه، في ضوء مجريات ونتائج الغربلة واصطفافاتها وزخمها حتى الآن، فإنه غير مبالغ فيه. فالمؤسسة الحزبية حسمت الكفة لصالحها واستعادت المبادرة من الأجنحة المتشددة التي حاولت خطف القيادة والقرار منها، مثل «حزب الشاي» والمقربين منه.
مرشحو هذا الأخير للرئاسة، مثل النائبة ميشيل باكمان، تناثروا وتساقطوا مع فتح باب التصفية. قواعده توزعت، هي الأخرى، على من بقي في الساحة. فريق منها صوّت مع رومني على الرغم من عدم الارتياح له والشكوك في خطه المحافظ. ضاع «الشاي» عندما نزلت جرّافة الحزب إلى الساحة الانتخابية، كما تلقى غينغريتش، المقرب منه لكمة قوية في آخر جولة، وقد لا يصحو منها، مع أنه عازم على مواصلة المعركة حتى النهاية.
من الأساس، بدت تشكيلة المرشحين الجمهوريين صعبة على التسويق. الشوائب كثيرة: من ضعف المواصفات إلى الخلفيات المثيرة للجدل، مروراً بالذين فيها من خارج السرب. الآن وبعد انتخابات التصفية في أربع ولايات فقط من أصل خمسين، تبدو قواعد الحزب الجمهوري مرتبكة أكثر، قناعاتها وخياراتها مهزوزة، كما كشفت الاستطلاعات ان 46% من الذين صوتوا لرومني غير مطمئنين له. فالرجل متلوّن وغير أصلي وغير صريح. حظي بالتأييد من باب مقارنته بالمنفور منه وليس من باب الارتياح لخطابه وطرحه ووعوده. والذين مالوا إلى غينغريتش، الشيء نفسه، حالة مرشحة للجرجرة حتى أواخر الربيع إلا إذا جفّت مصادر تمويل حملة غينغريتش في وقت مبكر، مع كل ما قد تؤدي إليه من نزف وتشويش في قاعدة الحزب، وفي أوساط المستقلين الذين تذهب الرئاسة إلى من ينال غالبية أصواتهم، أخبار جيدة للرئيس باراك أوباما.