اعتبرت بعض القوى السياسية، قرار عودة نواب القائمة العراقية إلى جلسات البرلمان، تراجعاً عن مواقفها المعلنة ومطالبها، ما يعني وجود ضغوط وتفاهمات خلف الكواليس، ولكن اللقاءات المتواصلة أسفرت في الأيام الأخيرة، عن قناعتين: أولاهما ضعف الثقة بالحكومة من قبل مختلف الأطراف، داخلياً وخارجياً، وثانيتهما وجود مشتركات تستدعي وجود القائمة العراقية في البرلمان لتنفيذها، والحد من تفرد ائتلاف دولة القانون باتخاذ القرارات.
وقبيل قرار العودة، كانت التصريحات التركية، التي ألمحت إلى اتجاه الحكم في العراق نحو الدكتاتورية الطائفية، وهي مؤشر قوي ليس لدول الجوار وحسب، وإنما للدول العربية أيضاً، في وقت تطمح الحكومة العراقية إلى انعقاد القمة العربية المقبلة في بغداد، ومن المؤكد أن يؤثر الموقف التركي، وغياب العراقية عن المشاركة الفعلية في الحكم، على طبيعة تلك القمة، وربما حتى على إمكانية انعقادها في بغداد، لهذا يؤكد محللون ان الحكومة مارست ضغوطات على «العراقية» قصد العدول عن قرار المقاطعة قصد عدم التأثير على رهاناتها الإقليمية.
قناعتان أساسيتان
وشهدت الساحة السياسية العراقية لقاءات مكثفة بين القائمة العراقية والتحالف الكردستاني والتيار الصدري، والتحالف الوطني، الذي يترأسه إبراهيم الجعفري ويضم ائتلاف المالكي، إلى جانب المجلس الأعلى الإسلامي والتيار الصدري، وكانت اللقاءات كلها تحض «العراقية» على العودة، مع وعود بتلبية مطالبها تدريجياً، فيما بقيت العراقية متمسكة بعدم ثقتها بالمالكي، وعدم الاطمئنان لحكومة يترأسها.
ولكن اللقاءات المتواصلة أسفرت في الأيام الأخيرة، عن قناعتين، أولاهما عدم أو ضعف الثقة بالحكومة من قبل مختلف الأطراف، داخلياً وخارجياً، وثانيتهما وجود مشتركات تستدعي وجود القائمة العراقية في البرلمان لتنفيذها، والحد من تفرد ائتلاف دولة القانون باتخاذ القرارات.
دور مؤثر
ومن خلال هذه الأمثلة، وغيرها، يتضح الدور المؤثر للقائمة العراقية في البرلمان، والذي ازداد قوة، بعد اللقاءات التي تمت مع الكتل السياسية، وهو ما عبر عنه التيار الصدري بشكل واضح، مؤكداً نمو معارضة برلمانية قوية وفاعلة، حيث اعتبر القرار الذي اتخذته القائمة العراقية، القاضي بالعودة إلى حضور جلسات البرلمان، يشكل بداية لتشكيل معارضة فيه، معتبراً في الوقت نفسه أن العراقية أثبتت أنها جزء من الحل، والدفع باتجاه عقد المؤتمر الوطني، على الرغم من عدم تلبية مطالبها.
وقال القيادي في التيار أمير الكناني: «إن عودة العراقية إلى البرلمان، اتجاه للعمل كمعارضة فيه»، مؤكداً أن «هذه الخطوة ستعزز دور البرلمان التشريعي والرقابي، لاسيما وأن هناك كماً هائلاً من القوانين تنتظر أن يتم إقرارها». وأضاف الكناني أن «العراقية أثبتت بقرار عودتها أنها جزء من الحل، ولا تسعى إلى افتعال مشكلة»، معتبراً أن «القرار سيدفع باتجاه عقد المؤتمر الوطني على الرغم من عدم تلبية النقاط التي قدمتها العراقية عند المقاطعة».
فتح الملفات
وكانت القائمة العراقية، أعلنت أن عودة نوابها إلى جلسات البرلمان جاءت استجابة لرغبات الشعب العراقي، الذي ينتظر منها دوراً في مجلس النواب في مجال تشريع القوانين التي تخدم المواطن.
وقالت الناطقة باسم القائمة ميسون الدملوجي: «إن القائمة، وبعد عودتها إلى جلسات البرلمان، ستفتح العديد من الملفات، من بينها التوازن الوطني في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية وتسمية مرشحها لشغل حقيبة الدفاع وإطلاق سراح المعتقلين وإيقاف الاعتقالات العشوائية».
وأشارت الدملوجي إلى أن القائمة العراقية قررت إنابة قيادتها باتخاذ أي قرار يتعلق بالعملية السياسية، وهي بانتظار انعقاد المؤتمر الوطني لتنفيذ مطالبها التي طرحتها قبل انسحابها من جلسات البرلمان والحكومة.
الورقة الطائفية
وفي السياق، يرى المراقبون، أن ائتلاف دولة القانون سيكون في حالة شديدة من الضعف أمام القوى الأخرى، في حال انعقاد المؤتمر، لذلك بدأ يلعب من الآن بورقة اللقاء الطائفي، من خلال الدعوة إلى عقد لقاء بديل عن المؤتمر، يضم الرئاسات الثلاث فقط «الجمهورية والوزراء والبرلمان»، معتبراً إياها ممثلة لكل مكونات الشعب (الأكراد والشيعة والسنة)، ما يعني تهميش وإلغاء دور الكتل السياسية داخل هذه المكونات، وبالأخص داخل المكون الشيعي، من خلال استبعاد رئيس التحالف الوطني، والمجلس الأعلى الإسلامي، الذي لم يشارك في الحكومة، وتمثيل التيار الصدري بنائب واحد لرئيس البرلمان، إضافة إلى استبعاد رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، راعي اتفاق أربيل الذي تشكلت بموجبه الحكومة، ورئيس القائمة العراقية الفائزة بأعلى الأصوات في الانتخابات البرلمانية اياد علاوي وأحزاب المعارضة الكردية، كما لم يعرف من خلال هذا المقترح، من سيمثل المكون السني عدا رئيس البرلمان أسامة النجيفي، بعد مطاردة نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، وعدم الاعتراف بنائب رئيس الوزراء صالح المطلك، فيما تبقى المهمة المطروحة الآن هي إلغاء المؤتمر، بانتظار أزمة جديدة قد تؤدي إلى هذا الهدف.
«المد السلطوي».
ويرى المراقبون السياسيون ان «المد السلطوي» القوي للمالكي وائتلافه، يمكن الحد منه، ولو بطريقة «عرجاء»، من خلال الرغبة المشتركة للكتل في ذلك.
وكانت الساحة السياسية العراقية شهدت اتفاقاً غير معلن للوقوف بوجه الجموح السلطوي، حيث تمت الموافقة، في بداية تشكيل الحكومة على إرجاء تسمية الوزراء الأمنيين، وانيطت مهامهم بالمالكي وكالة، ما دفعه إلى عدم الموافقة على تسمية أي وزير من قبل الكتل السياسية لهذه الوزارات، التي بقيت بيده، خارج اتفاق مبدأ الشراكة في إدارة الملفات، ولاسيما الملف الأمني.
وهذه التجربة أراد المالكي وائتلافه تكرارها، من خلال إسقاط المفوضية العليا للانتخابات، التي تم استجوابها في البرلمان، بطلب من ائتلاف المالكي، ولم تكن أجوبة المفوضية مقنعة لجميع الكتل، ولكنها رغم ذلك صوتت على بقائها، فيما كان المالكي اصدر أمراً بإيقاف عملها، رفضت الامتثال له.