لم يدر في خلد المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر، حين تولى السلطة عقب سقوط النظام السابق، أن تشكل الفترة الانتقالية «صداعا مزمنا»، حيث يواجه منذ شهور ضغوطا كبيرة من قبل الشارع لتقصير هذه الفترة التي كانت محددة بستة شهور وامتدت إلى ما يربو على عام ونيف.
ويواجه المجلس ضغوطا من قبل الشارع لتقصير المرحلة الانتقالية وتسريع عملية نقل السلطة إلى مدنيين، الأمر الذي جعله يفكر جيدا في مقترحات المدير السابق للوكالة الذرية والمرشح المنسحب من سباق الرئاسة محمد البرادعي، والتي طالما كان يعتبرها بمثابة «الدواء المر» رغم إدراكه أنها الحل الأمثل للأزمة التي يواجهها.
ومنذ أن نأى البرادعي بنفسه عن المنافسة ظن الكثيرون ان الرجل لم يعد لاعبا فاعلا في التطورات المتلاحقة للمشهد السياسي، خاصة مع بدء دوران عجلة مجلس الشعب (البرلمان) والسير في اتجاه صياغة الدستور الجديد، وما يلي ذلك من اختيار رئيس جديد للجمهورية تنقل إليه صلاحيات المجلس العسكري، وتبدأ البلاد بعد ذلك في تشكيل الجمهورية الثانية التي يتوق إليها الجميع.
لكن منذ 25 يناير الماضي الذي شهد تظاهرات حاشدة لم يسبق لها مثيل خلال احياء الذكرى الأولى للثورة، وما تلا ذلك من جمعة العزة والكرامة أو ما عرف بـ«جمعة الغضب الثانية» يوم 28 الجاري، والاستعدادات القوية الجارية لتظاهرات اليوم «ثلاثاء الإصرار» الرامية إلى تسريع نقل السلطة، بدأ المجلس في حالة حصار شعبي متزايدة ضاعفت من حدتها خيام المعتصمين في ميدان التحرير وسط العاصمة القاهرة، وأمام مبنى الإذاعة والتلفزيون، وهو ما بات يستدعي منه التفكير جيدا في مقترحات البرادعي للحل، خصوصا وان الجميع يدرك ان اللاعبين الفاعلين على الأرض من الثوار والذين يقضون مضاجع العسكري جميعهم يدينون بالولاء للرجل الذي لم يغب لحظة عن المشهد السياسي للبلاد منذ انسحابه من السباق الرئاسي. ووفقا لخارطة طريق البرادعي فيجب تشكيل لجنة لصياغة الدستور فورا لتحديد شكل النظام وضمان الدولة المدنية والحقوق والحريات، وأن يكون انتخاب الرئيس وفق صلاحياته طبقاً للدستور الجديد، من ثم انتخاب برلمان على أساس الدستور الجديد.
تحت المجهر
هذه المقترحات التي طالما أدار لها المجلس العسكري ظهره، أصبحت الآن على طاولته وتحت مجهره وقيد دراسة خبراء الدستور والقانون لديه، وبدا ذلك واضحا من طلبه من المجلس الاستشاري الرئاسي بحث سبل تقصير المرحلة الانتقالية وفتح باب الترشح للرئاسة حتى يمكن امتصاص الغضب الشعبي المتزايد ضد بقائه في السلطة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ماذا سيكون دور البرادعي في المرحلة المقبلة؟»، أغلب الظن ان الرجل سيظل «محركا» للتيارات الثورية بأفكاره الجديدة وأطروحاته التي تستند الى خبرة سياسية كبيرة، لكنه لن يتعدى دور «الناصح» ولن يقدم على الدخول في معترك السباق الرئاسي مجددا، لاسيما وانه يدرك ان الصوت الفارق في ترجيح كفة أي مرشح للرئاسة هو الصوت الإسلامي لن يكون لصالحه، وانما سيكون لصالح من سيتفق عليه الاسلاميون مع المجلس العسكري، والأخير يستطيع تذوق «الدواء المر» للبرادعي لا أن يخضع نفسه لـ«مشرطة الرئاسي».