مع تبني النظام السوري الحل الأمني في مواجهة المنتفضين وحصاره للمدن والبلدات، شهدت معظم المناطق المنتفضة حركة نزوح بالآلاف نحو دول الجوار. وتزامناً مع ذلك، حدثت موجة نزوح داخلية هائلة على خطين: الأول نزوح المعارضين من الأرياف والمدن إلى مناطق أكثر هدوءاً.
والثانية هي فئة الموالين للنظام التي اتخذ شكل نزوحهم حركة عكسية من المدن إلى الأرياف الجبلية على الساحل السوري ذو الكثافة العلوية. وغالبية العائلات الموالية للنظام ذات أصل ريفي هاجرت إلى المدن خلال الأعوام الماضية للعمل في الوظائف الحكومية أو نتيجة انحسار المردود الزراعي في قراهم. كما طال النزوح الكثير من عائلات الضباط الذين يخدمون في المدن المنتفضة.
ويرى المراقبون أن حركة النزوح الداخلي الحالية تعتبر الثانية من نوعها في سوريا بنطاقها الواسع بعد نزوح عشرات الآلاف من مرتفعات الجولان ومحافظة القنيطرة نحو المناطق الداخلية في بداية ستينات وسبعينات القرن المنصرم جراء العدوان الإسرائيلي.
طرق مغلقة
بيد أن معاناة النازحين في الوقت الراهن تتسم بصعوبة بالغة في ظل تشديد أجهزة الأمن قبضتها على كل الطرق العامة ومنعها لحركة نزوح العائلات نحو الأرياف وإطلاق الرصاص الحي عليهم للحد من تنقلهم خوفاً من لجوئهم إلى الدول المجاورة. وتقول حنان، 37 عاماً، التي هربت مع عائلتها من مدينة القصير التابعة لمحافظة حمص إلى دمشق لتحتمي عند أهلها. وتقول حنان لـ«البيان»: «الكثير من العائلات التي حاولت الهرب جراء القصف المتواصل للأحياء وانتهاك حرمات البيوت أصبحت ملاحقة من قبل أجهزة الأمن، حتى أن بعض العائلات لقيت حتفها على الطرقات».
وأردفت حنان التي لديها ثلاثة أطفال صغار توقفوا عن الذهاب إلى المدرسة نتيجة انعدام الأمن والأمان ان النظام «حاصر مدينة القصير وعاقب سكانها بقطع المواد الغذائية والطبية والحاجيات الضرورية للأطفال الصغار من الحليب والطعام، الأمر الذي جعلهم يفكرون في اللجوء إلى العاصمة بشكل سري»، مشيرة إلى أنهم تركوا بيوتهم ولم يجلبوا معهم إلا أمتعتهم البسيطة، وانتقلوا بسيارة خاصة عبر طرقات وعرة حتى استطاعوا الوصول إلى دمشق.
معاناة مضاعفة
ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية السورية، سحبت الحكومة يدها من سياسة تسعير السوق، وتضاعفت مأساة النازحين القادمين من المناطق المنكوبة. ويقول معن الحموي الذي نزح مع عائلته من مدينة حماه إلى دمشق وكان يملك متجراً لبيع المواد الغذائية: «تركنا بيوتنا خلفنا وقصدنا دمشق جراء الحصار الخانق، لكننا تفاجأنا بأسعار مرتفعة جداً في السكن، فاضطررنا إلى استئجار غرفة واحدة لا تتسع لكل أفراد العائلة».
ولعل ما شهدته بلدة رنكوس الواقعة في ريف دمشق من موجة نزوح كبرى نحو المناطق الداخلية والاختباء في القرى الصغيرة المحيطة بها نموذج لما تشهده المدن المنكوبة. ويقول الطالب الجامعي حسام، 21 عاماً، الذي نزح من رنكوس ولجأ إلى ضاحية قدسيا بريف دمشق إن عدد سكان رنكوس يتجاوز تسعة آلاف مواطن.
لكن مع اقتحام قوات الأمن البلدة منتصف الشهر الماضي أصبح كل شخص معرضاً للقتل والاعتقال، لذا نزح أكثر من خمسة آلاف إلى القرى المجاورة، مشيراً إلى أن العديد منهم أثناء النزوح إلى القرى المجاورة قضوا ثلاثة أيام في ظل جو قارس بين الوديان والجبال المحيطة بالبلدة دون طعام إلى أن تطوع بعض أهالي القرى لتأمين ملاذ آمن لهم.
وللنزوح حكاية أخرى في الأحياء الموالية للنظام في العاصمة دمشق. فرغم الأسعار المرتفعة لقيمة إيجار المنازل، إلا أنها انخفضت بشكل كبير في أحياء مثل مزة 86 التي يقطنها غالبية من الموالين. وذكر سكان من الحي أن الانخفاض يعود إلى حركة نزوح عكسية لهم من العاصمة إلى مدنهم وقراهم الأصلية في الساحل السوري ذو الكثافة العلوية.
