عاد الملف السوري إلى صدارة الأحداث في لبنان من زاويتين مختلفتين. أولهما اتجاه النظام رسمياً نحو الحسم العسكري في العديد من المناطق التي تشهد تطورات خاصة على الحدود اللبنانية، وثانيهما من باب «المعركة الدبلوماسية» المنتظرة الأسبوع المقبل في أروقة مجلس الأمن بعد أن اتخذ العرب أيضاً قرارهم النهائي بـ«تدويل» الأزمة السورية.

وحيال هذا الواقع، يبدو لبنان الرسمي متهيّباً من التطورات السورية. ولم تخف أوساط رئيس مجلس النواب نبيه بري مشاطرته رئيس الجمهورية ميشال سليمان القلق نفسه، من بوابة أن إحياء الحوار الوطني هو صمام أمان ضروري للحفاظ على لبنان، بينما قرأت أوساط معارضة، في إطلاق الحوار من غير المكان الذي توقف عنده، نوعاً من سرقة لحظة الخوف على لبنان لتوظيفها في خدمة شرعنة سلاح حزب الله وفرضه كبديل استراتيجي وحيد بعد تداعي الجبهة السورية.

 

تحولات خطيرة

ووسط الأجواء المضطربة داخلياً، تنقل مصادر سياسية مطلعة عن بري قلقه من انعكاسات التطورات الإقليمية على الداخل اللبناني ودعوته المتكرّرة لأطراف الأكثرية والمعارضة معاً للتنبّه لخطورة التحولات في المنطقة والارتقاء الى المستوى اللازم لمجابهتها بالعودة الى طاولة الحوار التي يتمسّك بها سليمان كإطار وحيد للحل، مرفقة بتأكيده أن الأفضل للبنان اعتماد سياسة النأي بالنفس التي تنتهجها الحكومة.

واختارت الحكومة اللبنانية منذ بداية الأحداث في سوريا سياسة «النأي بالنفس» مما يحصل. وهذه السياسة أصبحت محل ترحيب لدى بعض حلفاء رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، انطلاقاً من كونها تجنّب لبنان انزلاقات كبيرة في ظل الظروف الصعبة التي تمرّ بها المنطقة.

 

النأي الإيجابي

وفي ظل «العاصفة» والتطورات الكبيرة التي تشهدها الأحداث في سوريا والمنطقة، تشدّد قوى 8 آذار على أن أفضل ما يمكن أن يكون عليه الموقف الرسمي اللبناني هو «النأي بالنفس»، ولكن في الاتجاه الإيجابي لا السلبي، خاصة في ظل الانقسام السياسي الذي يشهده لبنان.

 وأثارت المبادرة العربية التي وضعت خريطة طريق للخروج من الأزمة السورية إرباكاً لدى حلفاء دمشق في لبنان، ولو أنها تصرّ علناً على إمكان خروج النظام من الأزمة. وأعاد هذا الإرباك الى الواجهة المخاوف من توتر في الداخل.

وفي الجهة المقابلة، تعتبر قوى 14 آذار أن المطلوب من لبنان أن يكون مع الإجماع العربي وتشير الى أن هناك 20 دولة عربية تأخذ موقفاً موحداً مما يجري، في حين أن الحكومة اللبنانية تأخذ الموقف المعاكس، والى أن الخيار الطبيعي هو أن يكون الموقف اللبناني الى جانب خيارات الشعوب لا أن يقف بوجهها.

 

طمأنة لبنان

وفي سياق متصل، كان لافتاً الكتاب المفتوح الذي وجّهه المجلس الوطني السوري إلى الشعب اللبناني، وفيه قطع عهداً على نفسه باحترام سيادة لبنان واستقلاله، وباحترام تعدّديته كصيغة فريدة يتشارك فيها البلدان. وتضمّنت الرسالة دعوة اللبنانيين الى «طيّ الصفحات السوداء» في العلاقات بين البلدين، محمّلة «النظام الديكتاتوري» في سوريا مسؤوليتها، والدعوة إلى علاقات على أساس «السيادة والمساواة» بين الدولتين.

وفي حين لم تردّ الحكومة اللبنانية على هذه الرسالة، نوّه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بها ووصفها بأنها «مدخل لتصويب العلاقة بين لبنان وسوريا»، لكونها «تضمّنت نقاطاً عملية في ما خصّ العلاقة اللبنانية- السورية، لا سيما الاعتراف بلبنان دولة حرة سيدة ومستقلة». بدوره، أيد تيار المستقبل كتاب المجلس الوطني ورأى أنه «فتح أفقاً سياسياً رائداً في العلاقة بين البلدين، بما يعبّر جدياً عن واقع الأخوّة بين دولتين شقيقتين».