لو أن أحدا من المصريين تحدث في 24 يناير 2011، عن إمكانية حل مجلس الشعب أو رحيل حكومة نظيف، لرماه الآخرون بالجنون، فضلا أن يتحدث عن رحيل نظام قبع في الحكم على مدار ثلاثين عاما، كان بمثابة عنوان أوحد لـ«أرض الكنانة».

إلا أن المصريين أعادوا اكتشاف أنفسهم حين أسقطوا النظام فقط في 18 يوما، كانت بمثابة فيلم من مشاهد «هوليوود» التي تتحدث عن الخيال بعيدا عن أرض الواقع، ولم تفلح التنازلات المتوالية التي قدمها نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك من محاولة كبح جماح المتظاهرين في العدول عن شعار واحد رددوه دون ترتيب مسبق حين هتفت حناجرهم «الشعب يريد إسقاط النظام».. «البيان» تروي تفاصيل هذه الأيام في السطور التالية.

 

أول شهيد

اندلعت الثورة يوم الثلاثاء الـ25 من يناير 2011 عقب دعوات مكثفة على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل مجموعة من الحركات الشبابية أبرزها حركة «6 إبريل» ومجموعة «كلنا خالد سعيد» وحركة «شباب من أجل العدالة والحرية» و«كفاية» وغيرها، تجسدت تلك الدعوات عمليا في ذلك المشهد التاريخي الذي رسمه ميدان التحرير بوسط العاصمة، فظنّ النظام السابق وقتها أنها تظاهرة عادية وسيتم فضّها إلا أنها تحوّلت إلى اعتصام مفتوح حتى يسقط النظام.

وفي ذلك اليوم، أصدرت وزارة الداخلية أوامر بالتصدي للمتظاهرين بأدوات الردع المتعارف عليها فقامت مساء هذا اليوم باستخدام مضخات المياه لتفريق المتظاهرين فضلا على القنابل المسيّلة للدموع، إلا أن المتظاهرين واصلوا اعتصامهم وهتافاتهم التي لخصت مطالبهم في «الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية»، ليسقط في هذا اليوم أول شهيد في مدينة السويس أمام قسم الأربعين فيما أصيبت أعداد كبيرة بمختلف الميادين بحالات اختناق جراء القنابل المسيلة للدموع.

 

كر وفر

عقب اليوم الأول، أدرك النظام أن التظاهرات هذه المرة تختلف جملةً وتفصيلاً عن سابقتها، خاصة انها تحوّلت إلى اعتصام مفتوح لذلك راح خلال اليوم الثاني يزيد من أدوات القمع فاستخدمت قوات الأمن العصي الكهربائية وخراطيم المياه والقنابل المسيّلة للدموع، تزامنا مع قيام وزارة الداخلية تحت قيادة اللواء حبيب العادلي بإلقاء القبض على 500 متظاهر، وصفتهم بـ«مثيري الشغب» خلال يومين.

اليوم الثالث: التظاهرات تعم المحافظات

وفي ثالث أيام الاعتصام، تمددت التظاهرات إلى مختلف المحافظات على نطاق واسع لم يكن متوقعا، ما ترتب عليه أن زادت قوات الأمن من حملات الاعتقالات المكثفة، واحتجزت المئات كان من بينهم الناشط السياسي الشهير وائل غنيم.

 

جمعة الغضب

وفي صباح يوم «جمعة الغضب» الموافق 28 يناير 2011، تم قطع الاتصالات والإنترنت لمنع زحف الجماهير الغاضبة، ورغم ذلك، خرج مئات الآلاف متجهين صوب الميدان فضلاً على عدد من الميادين الأخرى في المحافظات. وفي هذا اليوم، قامت قوات الأمن بأكبر عملية قمع في تاريخها، على حد وصف بعض المحللين، حيث قامت باستخدام الرصاص المطاطي و«الخرطوش» فضلا على الإسراف في استخدام الغازات المسيّلة للدموع، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى وإصابة الآلاف. وبالتوازي مع هذا العنف المفرط، تحوّلت رغبة المعتصمين من المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية إلى المطالبة بإسقاط النظام، وقد أيقنوا آنذاك بأنهم «إذا انسحبوا فلا عودة لهم أبدا».

 

الخطاب الأول لمبارك

وفي مساء هذا اليوم ألقى الرئيس المخلوع حسني مبارك أول خطاب له، والذي أعلن فيه عن إقالة حكومة أحمد نظيف، رافضا التنحي أو حل مجلسي الشعب والشورى، كما أعلن الاستعانة بالقوات المسلحة في حفظ الأمن، توازيا مع انسحاب الشرطة تاركة الشوارع لـ«البلطجية والخارجين على القانون»، فتم الاعتداء على معظم أقسام الشرطة بجميع المحافظات، كما تم إحراق مقر الحزب الوطني (المنحل)، فيما كانت دبابات ومدرعات الجيش أخذت في النزول للشوارع وسط ترحيب شديد من المتظاهرين الذين استقبلوها بالهتاف الشهير «الجيش والشعب يد واحدة».

 

قبلة المتظاهرين

وفي 29 يناير، واصل المتظاهرون عمل «اللجان الشعبية» لحماية الشوارع والممتلكات الخاصة بعد انسحاب الشرطة، كما تدفق المتظاهرون إلى ميدان التحرير رغم إعلان حظر التجول، مطالبين بإسقاط النظام ورحيل مبارك. وفي هذا اليوم أيضا، وقــعت مصادمات مع أفراد الشرطة الذين لم ينسحبوا من أمام وزارة الداخلية على الرغم من انسحابهم من الأقسام فقتل ثلاثة أشخاص وأصيب العشرات وتدخلت مدرعات الجيش للسيطرة. وكذلك، تمكن عدد من المساجين من الهروب، مما زاد من حالة القلق لدى الشارع. وفي محاولة لتهدئة الموقف، تم قبول استقالة أحمد عز، عضو أمانة السياسات في الحزب الوطني من منصبه، وهو الرجل محل الانتقادات اللاذعة من قبل الجميع، عقب اتهامه بالإشراف على تزوير الانتخابات البرلمانية في العام 2010، والتي قيل إنها «القشة التي قصمت ظهر البعير».

 

واشنطن على الخط

تم الدعوة إلى أول «مليونية» في الأول من فبراير، توازيا مع دخول الرئيس الأميركي باراك أوباما على الخط مطالبا بـ«انتقال منظم» إلى الديمقراطية ولم يطالب مبارك بالتنحي، فيما أعلنت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أن بلادها «تتابع الموقف عن كثب».

 

بيان الجيش

وفي 31 يناير، أعلنت القوات المسلحة أن الجيش «لن يستخدم القوة ضد المتظاهرين، وأن حرية التعبير مكفولة للجميع». وفي غضون ذلك، أدت الحكومة الجديدة برئاسة الفريق أحمد شفيق اليمين الدستورية، وسط اعتراضات موسعة من قبل المتظاهرين، رافضين تنازلات النظام التي كان آخرها دعوات نائب الرئيس السابق عمر سليمان لإجراء حوار وطني مكثف بشأن إصلاحات دستورية وتشريعية.

 

إسقاط النظام

وفي أول مليونية من نوعها، غصت شوارع القاهرة بمئات الآلاف من المتظاهرين في الأول من فبراير، كما عمت المحافظات التظاهرات، استجابة لمليونية إسقاط النظام.

في هذه الأجواء، حاول مبارك تقديم تنازلات جديدة عبر تأكيده تكليف الحكومة الجديدة الاستجابة لمطالب الشباب، لكنه ما لبث أن خير بين «الفوضى» و«الاستقرار»، مع عودته للتهدئة مرة أخرى عبر تأكيده العمل خلال ما تبقى من أشهر ولايته على تأمين الانتقال السلمي والسلس للسلطة، كما أعلن تكليفه للبرلمان بمناقشة تعديل المادتين 76 و77 من الدستور، وتعهد بالتحقيق في المتسببين في حالة الفراغ الأمني في البلاد، مختتما باستعطاف لم يجد مع المتظاهرين، من خلال قوله إن «مصر وطنه مثل وطن أي مصري سيعيش ويموت فيه وسيحكم التاريخ بما له وعليه».

 

موقعة الجمل

وفي 2 فبراير، قامت القوات المسلحة بتقليل ساعات الحظر، ودعوة المحتجين إلى مغادرة الشوارع، إلا أن حشودا هائلة ظلت متمسكة بالبقاء في ميدان التحرير. وفي أول ظهور لهم، خرجت مجموعات لمبارك في ميدان مصطفى محمود لأول مرة منذ اندلاع الثورة تطالب بـ«الاستقرار» تعاطفا مع خطابه الأخير، وشاركهم عدد من الفنانين والإعلاميين ولاعبي كرة القدم.

حول تفاصيل ذلك اليوم، يروي عضو ائتلاف شباب الثورة خالد تليمة، لـ«البيان» قائلاً: «بعد الخطاب قام عدد من المعتصمين بالدعوة لفض الاعتصام انتظارا لوعود الحكومة، تعاطفا مع الخطاب والذي أوجد حالة من الانقسام داخل الميدان». ويردف القول: «وفي الوقت الذي يقوم فيه عدد من المعتصمين بفض اعتصامهم كان غباء النظام السابق مسلطا عليه، إذ حدثت الواقعة الشهيرة موقعة الجمل». ويشير إلى أن هذه الحادثة التي شارك فيها الموالون للحزب الوطني والتابعون لنظام مبارك، و«البلطجية» أدت إلى سقوط عشرة قتلى على الأقل وأكثر من 830 مصابا، كشفت التحقيقات فيما بعد عن تورط قيادات كبرى في نظام مبارك، في الواقعة.

وفي 3 فبراير 2011، وتزامنا مع تجدد الاشتباكات في ميدان التحرير، بين المعتصمين ومؤيدي مبارك، أصدر النائب العام المستشار عبدالمجيد محمود، قرارا بمنع سفر أمين التنظيم السابق بالحزب الوطني أحمد عز، ووزير الداخلية السابق حبيب العادلي، ووزير السياحة السابق زهير جرانة، ووزير الإسكان السابق أحمد المغربي، وجاء في القرار تجميد الحسابات المصرفية لهؤلاء، كما شمل القرار عددا آخر من المسؤولين.

 

جمعة الرحيل

وفي 4 فبراير، احتشد مئات الآلاف في التحرير للمطالبة بإسقـاط النظام في ما وصفوه بـ«جمعة الرحيل»، وقد أدى المسلمون صلاة الجمعة وحماهم الشباب الأقباط في مشهد مهيب، كما خرجت تظاهرات مليونية في العديد من المحافظات. تزامن ذلك، مع قرار للنائب العام بمنع وزير التجارة والصناعة السابق رشيد محمد رشيد من السفر، لكن رشيد كان وقتها قد غادر البلاد.

 

جمال مبارك

وفي 5 فبراير، واصل النظام تقديم تنازلاته، فأعلن استقالة جمال مبارك، وصفوت الشريف، من هيئة مكتب الحزب الوطني، وتعيين حسام بدراوي أمينا عاما للحزب، كما تم وضع وزير الداخلية السابق حبيب العادلي مع ثلاثة من قياداته تحت الإقامة الجبرية. وفي مساء هذا اليوم حدث انفجار بأنبوب الغـاز الذي ينقل الغاز إلى الأردن وإسرائيل، ما أدى إلى وقف ضخه مؤقتا.

 

حوار سليمان

وفي اليوم الثالث عشر، أجرى نائب الرئيس السابق عمر سليمان، حواراً مع قوى المعارضة أبرزها جماعة الإخوان المسلمين، تم الاتفاق خلاله على «تدابير» رفضها المعتصمون واعتبروها «لا تخدم الثورة».

وفي اليوم الرابع عشر، قلص الجيش فترة حظر التجوال؛ وتم الإفراج عن الناشط وائل غنيم، توازيا مع شروع النيابة في التحقيق في مزاعم بمسؤولية وزارة الداخلية عن تفجير كنيسة القديسين وحالة الفراغ الأمني، فيما كان العادلي يتهم كبار مساعديه بالتسبب في انهيار الشرطة.

 

أسبوع الصمود

وفي الثامن من فبراير تم الحشد للمليونية الثانية في أسبوع الصمود، حيث استمرت التظاهرات المطالبة بإسقاط مبارك، تزامنا مع تعطيل بعض المؤسسات الحكومية، فيما طفت على السطح الإضرابات والاعتصامات الفئوية.

 

البيان الأول

وفي 9 فبراير تسارعت وتيرة التظاهرات الفئوية لأول مرة منذ اندلاع الثورة. وفي 10 فبراير أصدر المجلس العسكري بيانه الأول والذي أكد فيه أنه اجتمع «في إطار الالتزام بحماية البلاد والحفاظ على مكتسبات الوطن وتأييدا لمطالب الشعب المشروعة»، وقرر «الاستمرار في الانعقاد بشكل متواصل لبحث ما يمكن اتخاذه من تدابير وإجراءات» وأشار بعض المحللين آنذاك إلى ما سموه «انقلابا عسكريا وشيكا وتدخلا من قيادات الجيش»، مستندين إلى انعقاد المجلس في غياب قائده الأعلى وهو مبارك، حيث رأس المشير حسين طنطاوي الاجتماع.

 

الخطاب الأخير

في ذلك اليوم، وجّه مبارك خطابه الثالث للمصريين مفاجئا الجميع برفض التنحي، معلنا تفويض سلطاته إلى عمر سليمان. وقال إنه يعلم أن «مطالب الشباب عادلة ومشروعة»، مشيرا إلى أن «الأخطاء واردة في كل نظام سياسي، لكن الحرج والعيب كل العيب هو الإملاءات الأجنبية من الخارج أيا كان مصدرها أو مبرراتها». وخلال الخطاب، جدّد مبارك تأكيده على أنه لن يترشح للانتخابات الرئاسية، وأنه متمسك بالاستمرار حتى نقل السلطة لمن يختاره الناخبون في الانتخابات المقبلة، وأشار إلى أن الحوار الوطني بدأ بالفعل، وأنه أسفر عن توافق مبدئي لوضع خريطة طريق للانتقال السلمي للسلطة حتى سبتمبر. وقال إنه بمقتضى الصلاحيات المخولة إليه.

 

حكم يهوي

وفي يوم سيخلده التاريخ في ذاكرة المصريين، حاولت حشود كبيرة من المتظاهرين الزحف على قصور الرئاسة وخاصة قصر القبة في القاهرة، والقصر الرئاسي برأس التين في الإسكندرية، وأمام ذلك الإصرار لم يكن أمام مبارك إلا الرحيل. وفي الساعة الـ 6.00 مساء بتوقيت القاهرة، 11 فبراير، ألقى عمر سليمان، خطابا قال فيه «أيها المواطنون.. في ظل هذه الظروف العصيبة التي تمرّ بها البلاد، قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية، وكلّف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد.. والله الموفق والمستعان».