تعرضت مقولة «سوريا تنعم بالأمن والأمان» إلى ضربة موجعة جراء الانفلات الأمني الذي يجتاح طول البلاد وعرضها، حيث تراجعت حركة السوريين في الشارع بدرجة ملفتة داخل أزقّة دمشق القديمة ومقاهيها المعروفة التي كانت تعج بالناس حتى ساعات الفجر.

وأصبحت صالات المنتزهات وموائد المطاعم والأسواق خالية من الزوار والزبائن. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل يكاد تبادل زيارات الأقارب والجيران ينعدم، بينما وقفت مظاهر الاحتفال في المناسبات الاجتماعية والنشطات الثقافية والدينية.

وما زاد الأمر سوءاً هو سلسلة التفجيرات التي ضربت دمشق وانتشار عمليات القتل والاعتقال والخطف بشكل يومي فضلاً عن استغلال بعض الجماعات مجهولة الهوية ظروف الفوضى العارمة بارتكاب عمليات السلب والنهب خاصة على الطرقات الرئيسية. وفي هذا الصدد، تشير فاطمة الحسن، 28 عاماً، متزوجة وتعيش في دمشق بعيداً عن أهلها في حلب، إلى أن والدها الذي يعيش في مدينة حلب أصيب بنوبة قلبية. وجراء ما يحدث من عمليات القتل والخطف على الطرقات العامة وخاصة بين خط دمشق وحلب، فإنها أحجمت عن السفر عبر النقل البري لزيارة والدها المريض، لذا اضطرت اللجوء إلى شركة الطيران ودفع تكاليف باهظة لتتمكن من لقاء والدها وأهلها.

 

حذر من الجواسيس

ويقول الناشطون السوريون: إن النظام حول قسماً كبيراً من السكان إلى جواسيس للدوائر الأمنية لينقلوا لهم ما يدور من نشاطات وتحركات مناوئة للنظام، ما أثر سلباً على العلاقات الاجتماعية بين الناس حيث أصبح الجار يتردد في زيارة جاره خشية من زلة لسان.

ويكشف أيوب، 48عاماً، وهو يملك متجراً لبيع الخضار والفواكه عن بعض من هواجسه قائلاً: «النظام يعتقل الناس منذ بدء الانتفاضة بشكل عشوائي ويسعى قدر الإمكان إلى زرع حالة الرعب فيما بينهم، حتى بات الخوف يرافق المواطن كظله في أي خطوة يخطوها، ووصل به الأمر إلى التفكير ملياً قبل زيارة جاره لعدم الثقة به وخشية أن ينزلق لسانه ويتفوه بما يسيء للنظام وبالتالي يصل به الأمر إلى الاعتقال والتعذيب على يد الأجهزة الأمنية».

 

مظاهر الترفيه

ومع ازدياد حالات القتل والتدمير في المناطق المنكوبة، اختفت كل مظاهر التنزه والترفيه وارتياد المطاعم بشكل تام، ما دفع بعض أصحاب المحلات التجارية والمقاصف إلى إغلاق متاجرهم ومحلاتهم.

ولم يختلف الحال كثيراً في المناطق شبه الهادئة. ويقول خالد سلمان الذي يعمل موظفاً في شركة التعمير والبناء بدمشق: انه كان يخرج نهاية كل أسبوع لقضاء وقته مع عائلته في المطاعم والمتنزهات في ظل أجواء تسودها علامات الفرح على وجوه أفراد العائلة. ومع تدهور الوضع الأمني وارتفاع حوادث القتل اليومي، تغيرت تلك الصورة وأصبح الأمن مفقوداً لدى المواطن السوري، ما دفعهم الى المكوث في البيت ومتابعة مأساة سيلان نزيف الدم السوري عبر شاشات التلفاز.

 

إلغاء الاحتفالات

وجراء التداعيات الدموية التي تسود مسيرة الانتفاضة السورية ظهرت مشاعر من الكآبة والحزن عند الناس حال إلغاء كافة مظاهر الاحتفالات في المناسبات الاجتماعية والأعياد الدينية كعيد الفطر والأضحى المبارك وأعراس الزواج.

ومع دخول العام الجديد، دعا البطريك إغناطيوس الرابع هزيم، بابا إنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس إلى وقف احتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية واقتصارها على الصلاة دون معايدات وذلك نظراً للظروف التي تمر بها سوريا. ويشير جوني، وهو من حي باب توما بدمشق، 26 عاماً، والذي تقطنه غالبية مسيحية إلى أن مظاهر البهجة في المناسبات الاجتماعية والدينية ألغيت بشكل كامل تضامناً مع أهالي القتلى والجرحى. وأردف جوني الذي يعمل في شركة المياه: «محنة الشعب السوري مشتركة ولا تقتصر على فئة دون غيرها، الأمر الذي حول احتفالية رأس السنة إلى تظاهرات الشموع بين كل الطوائف والفئات طالبت النظام الحاكم بوقف عمليات القتل والترهيب تجاه المواطنين».