شهد هذا الأسبوع في واشنطن عودة الحركة إلى الملف الفلسطيني، بعد غياب طويل عن الشاشة. تضافرت عوامل ومواعيد وزيارات، استحضرت معها الملف المفروض عليه التنويم بالتخدير.

لكنه حراك بدا أقرب إلى رفع العتب. وبالتحديد من الجانب الأميركي، الذي سارع إلى تمييع الموضوع والتمديد مسبقاً للمماطلة الإسرائيلية من خلال الحراك المسرحي الأخير للرباعية الدولية. حراك من غير تحريك، كالعادة. وبذلك عادت حليمة إلى دوامتها القديمة.

ليس سراً في واشنطن أن هذا الملف مطوية سيرته، على الأقل طوال هذا العام الانتخابي. لكن اقتراب موعد 26 الجاري فرض عودته إلى التداول. مع حلوله تنتهي مهلة الثلاثة أشهر، التي سبق وحددتها الرباعية في أكتوبر الماضي؛ كي يتقدم الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي بالمقترحات الكفيلة باستئناف المفاوضات.

الجانب الفلسطيني أوفى بالمطلوب وقدم مقترحاته. الإسرائيلي كالعادة، تجاهل المهلة ولم يأبه بها. أصلاً هو ليس في هذا الوارد.

 

جواب ضبابي

رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو زعم أن حكومته قامت بما عليها في هذا الخصوص. لكن في الواقع، كلامه خادع. وعندما سئلت الخارجية عن حقيقة الأمر، لجأ المسؤولون إلى اللفلفة الدبلوماسية. «نعلم ماذا يجري لكن ليس هنا المكان المناسب للحديث عنه». السؤال بسيط. الجواب ضبابي للتغطية.

مع ذلك، كشفت الخارجية عن حقيقة الموقف والدور، عندما قالت الناطقة الرسمية ان «الموعد هذا ليس من النوع الجامد»! يعني قابل للمطّ والتجديد . عادة تتمسك واشنطن بالمواعيد بحذافيرها.

 

معزوفة قديمة

في موضوع جنوب السودان كما في ملف الانسحاب العراقي وغير ذلك من الاستحقاقات، حرصت بل أصرّت على وجوب الالتزام بالسقف الزمني. لكن عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، تنقلب القاعدة. تتولى واشنطن تسويق التحايل الإسرائيلي، بزعم أن هذه مسألة على الطرفين التفاهم حولها.

وأن على الفلسطينيين تفهم الأمر. «فالمهم هو العودة إلى الطاولة»، مع تكرار الإدارة بأن دورها يقتصر فقط على «تقديم المساعدة لتسهيل التقارب الذي لا بدّ وأن ينجزه الجانبان على طاولة التفاوض. فهما المعنيان بالسلام».

معزوفة قديمة انشرخت اسطوانتها لكثرة ما تكرر سماعها. وعادت لتتردّد أثناء الزيارات العربية الثلاث في الأسبوع الأخير. نفض يد واضح وصريح اثار التساؤل. بل الإحباط. العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، عبّر عن ذلك في مقالته التي نشرتها جريدة وول ستريت في اليوم التالي (الخميس) لانتهاء زيارته لواشنطن، عندما غمز من زاوية الطرح الذي يدعو «إلى الانتظار» ريثما تتضح الأمور.

 

تملّص وتهاون

مراجع أميركية، اغتنمت الفرصة أيضاً للتعبير عن الضيق من التملص الإسرائيلي والتهاون الأميركي بشأن التسوية السلمية. «توفير السلام لإسرائيل لا يتحقق إلا بتوفير السلام للفلسطينيين. فهم كغيرهم من البشر يستحقون حكم أنفسهم. فعلى إسرائيل ان تدرك بان سلامها مرتبط بالسلام للفلسطينيين»، كما قال الرئيس الأسبق جيمي كارتر في مقابلة معه أول من أمس.

مثل هذا الكلام يتكرر من حين إلى آخر في واشنطن، على لسان مسؤولين سابقين وعدد من أهل الرأي الوازن في الساحة الأميركية. مشكلته أنه يأتي دوماً متأخر. يجاهر به أصحابه بعد أن يكونوا قد غادروا مواقع القرار.

والمشكلة الأخرى، أن مثل هذه القناعة تأخذ بها الإدارة الحالية. وبالتحديد الرئيس باراك اوباما. لكن بالمجرد وليس على أرض الواقع. على مستوى الموقف هو أسير الضعف والحسابات السياسية الانتخابية القريبة. كما هو وإلى حدّ بعيد، أسير بطانته المحيطة به. خاصة من العناصر القريبة من إسرائيل والمحسوبة على خندق اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، مثل دنيس روس الذي شغل منصب استشاري رفيع في البيت الأبيض والذي ترك منصبه قبل شهرين ليلتحق بمؤسسة أبحاث تعتبر إحدى أذرع اللوبي الإسرائيلي في واشنطن.

 

مهلة

أصلاً جرى تحديد مهلة الثلاثة أشهر أعلاه، في أكتوبر، كتحايل لحمل السلطة الفلسطينية يومذاك على صرف النظر عن طرح مشروع الاعتراف بالدولة الفلسطينية أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة والتي كان تصويتها مضموناً بل مؤكد لصالح الاعتراف. والآن يجري توضيب صيغة تكفل التمديد لمهلة الرباعية وبما يضمن التأجيل وإبعاد المشروع عن الجمعية العمومية.

وواشنطن تراهن على ضآلة، بل شبه انعدام الخيارات أمام الفلسطينيين، وعلى عدم القدرة على كسر المألوف. فهل في الجعبة الفلسطينية من جديد ؟