أفرزت الانتفاضة السورية حالة من التشرذم والانقسام بين المرجعيات الدينية والاجتماعية، فاتخذ طيف واسع من المرجعيات الدينية قراره بالوقوف علناً مع النظام ومجاهرة الحراك الشعبي العداء، في حين حسمت بعض الأصوات القليلة خياراتها بدعم المنتفضين ومساندة مطالبهم ضد نظام بشار الأسد.
وأرجع المراقبون هذا الانقسام إلى الدور الذي لعبه النظام طوال تاريخه بربطه حشداً كبيراً من المرجعيات الدينية بكيانه عبر منحهم إغراءات مادية وتنصيبهم في مواقع سلطوية، لإعانته على كبح أي تمرد شعبي محتمل. ومهما تكن الأسباب فإن الناشطين يرون أن وسائل الإعلام الحديثة المواكبة لحراك الشارع سحبت البساط من تحت المرجعيات الدينية التقليدية.
وفي نظرة تشخيصية لدور المرجعيات الدينية في سوريا، تخرج للعيان عدة عوامل بنيوية تحدد مسار علاقة تلك المرجعيات مع حراك الشارع، فلكل طائفة حساباتها الخاصة المرتبطة ببعدها التاريخي وتشابك علاقتها مع السلطة فضلاً عن هواجس من البديل القادم.
تعقيد
يقول الدكتور عبد العزيز الخير، المنحدر من الطائفة العلوية: إن «الطائفة ليست حرة، بسبب سياسة النظام، وكيفية بناء نفسه منذ تسلمه زمام السلطة، وعندما نتمعن في وضع الطائفة العلوية نجد المرجعيات الدينية والفكرية فقدت دورها، لأن خروج أي فئة من أبناء جبال الساحل ضد النظام كانت تجابه بالقمع الشديد وبعقوٍبات صارمة، ولدى دخول بعض الفئات في خندق المعارضة كانت تمارس بحقهم أشد سياسات تعسفية. وفي ضوء تلك الممارسات جعلت الطائفة تعيش وضعاً غير آمن من قبل السلطة التي تروّج أنها تنتمي إليهم».
حراك السويداء
أما الطائفة الدرزية المتمركزة في محافظة السويداء، فتتهم مرجعياتها بأنها تسعى لضبط فورة الشباب بعدم المشاركة في الحراك الشعبي، لكن ابنة السويداء الكاتبة ميس كريدي تفند هذه المزاعم، مؤكدة أنه «رغم احترام ومكانة المرجعيات الدينية في السويداء، إلا أنه ليس لها تأثير كبير في ضبط الشارع، بل إن العرف هو أكثر سيادة وتأثيراً في حياة الناس في الأرياف». وتشير إلى أن السويداء «منقسمة بين تأييد للثورة والوقوف على الحياد والصمت».
وتعتبر كريدي أن الحراك الثوري في المدينة مرتبط بشكل وثيق بالنخب السياسية، وأغلب الطبقة المثقفة مستقلة في أطروحاتها ولا تخضع لهيمنة المرجعيات الدينية.
الدور الكردي
وإذا كان واقع الحال هكذا في السويداء، فإن الوضع الكردي له حكاية مختلفة، فالتيارات السياسية وتنسيقيات الشباب تمردت على سطوة رجال الدين والمرجعيات الاجتماعية التي التزمت الحياد وتخشى من التغيير، بل قفزت بعض المرجعيات الدينية من هذه المعادلة وباتت تناضل بسبل سياسية في رفع الغبن عن الأكراد. ويقول شيخ الطريقة النقشبندية محمد مراد الخزنوي: إن دورهم يختزل في الوقوف إلى جانب المظلومين وبشكل خاص أبناء شعبه وبني جلدته الكرد، لافتاً إلى ضرورة خروج المرجعيات من عباءة الصبر والسلوان وترويض الذات وقبول الواقع كما هو، والارتقاء بمستوى طموحات الشباب المنتفض.
مناطق منتفضة
ويشير المراقبون إلى أن المناطق المنتفضة في سوريا تقطنها الأغلبية السنية، لكن ما يلفت الانتباه أن معظم المرجعيات الدينية التقليدية ضمن هذه الطائفة وقفت في وجه الحراك واصطفت مع النظام.
ويؤكد الداعية محمد العمار، أن «السنة ليسوا طائفة ذات مرجعية واحدة، كما في إيران والعراق، عدا على أن المرجعيات في سوريا فكرية أكثر منها شخصية». واعتبر أن المرجعيات الدينية والفكرية في سوريا متأخرة بأشواط عن حركة الشباب، ووصفها بأنها «تتحرك ببطء شديد يتناسب مع العالم الذي ولدت فيه، وغير قادرة استيعاب طبيعة العصر وتطوراته».