«ضميري لا يسمح لي بالترشح في ظل نظام مصطنع وغير ديمقراطي».. بهذه الكلمات ضًمن المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي خطابه إلى المصريين والذي أعلن فيه انسحابه من السباق على رئاسة الجمهورية، مراهناً على أن الثورة ستستمر بسواعد الشباب، مكتفياً «برئاسة جمهورية ضميره».
انسحاب البرادعي الذي صدم الكثيرين خصوصاً الحركات الثورية التي آمنت بمبادئه واستلهمت أفكاره التي حرضتهم على الخروج إلى الشارع والثورة ضد نظام الرئيس السابق حسني مبارك، تقف خلفه أسباب كثيرة من بينها ان الرجل يدرك تماماً ان حظوظه في الفوز بالمنصب ليست كبيرة لاسيما وان حملة التشويه التي شنها إعلام مبارك ضده، ووصفته بأنه «عميل أميركي» لا تزال تجد صدى وتأثيراً بين العامة حتى بعد سقوط النظام السابق.
كذلك وجد البرادعي نفسه في وضع «غير مستقر» في العلاقة مع المجلس العسكري الذي يدير شؤون البلاد منذ سقوط مبارك في فبراير الماضي، حيث ينظر إليه المجلس «بتشكك وريبة كبيرتين»، لاسيما وان البرادعي دائم النقد لسياساته ولم يسع الى خطب وده مثل باقي المرشحين الآخرين، اضافة الى ان افكار المرشح الرئاسي السابق عن علانية ميزانية الجيش وضرورة تغيير العقيدة الحربية للمؤسسة العسكرية، جعلت حالة الفتور تتراكم بين الطرفين.
القول الفصل
يضاف الى ذلك ان البرادعي قرأ نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة «قراءة صحيحة وواقعية»، ورأى فيها أن «الصوت الإسلامي» سيكون فاصلاً في معركة الانتخابات الرئاسية، من ثم فإن الحصول على تأييد هذه الكتلة ليس أمراً سهلاً، لأن الإسلاميين وبالتحديد جماعة الإخوان سيتفقون على دعم المرشح الذي يرضى عنه المجلس العسكري، وهو بالتأكيد لن يكون البرادعي.
والواقع أن هناك إشارات سابقة لم يلتف إليها أحد، كانت جميعها ترمي الى نية البرادعي عدم خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، منها عدم قيامه بجولات في محافظات مصر مثل غيره من المرشحين المحتملين، والذين لم يتركوا مكاناً إلا وذهبوا إليه.
وهناك إعلان البرادعي في شهر نوفمبر الماضي خلال الأزمة الدامية في شارع محمد محمود استعداده لتولي رئاسة الوزراء، والتضحية بالسباق الرئاسي من أجل «عبور الأزمة» وهو الأمر الذي يمكن تفسيره الآن على انه كان نوعاً من تهيئة المجال له ليبتعد عن الانتخابات الرئاسية من دون اعلان الانسحاب، لكن المجلس العسكري لم يتح له هذه الفرصة، ورفض العرض وكلف كمال الجنزوري بالمهمة.
جمهورية الضمير
وربما يكون انسحاب البرادعي من السباق الرئاسي، أفضل كثيراً لهذا الرجل في المرحلة الحالية، حيث رأى مراقبون أنه يحفظ له مكانته عدم تعرض صورته «للحرق» في الشارع الانتخابي، بل ربما تتحول إلى قوة ضغط على أي نظام مقبل خاصة حال تمكنه من تجميع صفوف الحركات الثورية الشبابية التي لعبت الدور الأساسي في تفجير ثورة 25 يناير، مؤكدين، سيظل البرادعي رقماً صعباً في الحياة السياسية، ورئيس «جمهورية الضمير» كما وصفه رئيس حزب غد الثورة المعارض الشهير أيمن نور، لاسيما وان مواقفه لم تتغير بين ليلة وضحاها، ولم يلجأ الى خطب ود من يعتلون السلطة حالياً، أو من سيتربعون على عرشها مستقبلاً، وبقي على مسافة واحدة من الجميع، محافظاً على أفكاره التي رفعها في ظل وجود النظام السابق وبعد سقوطه.