تستعد التيارات السياسية في الجزائر هذه الأيام لخوض معركة انتخابية هي الأولى منذ توقف المسار الديمقراطي قبل 20 عاماً، أي منذ عام 1992، ودخول البلاد في دوامة عنف ذهب ضحيتها عشرات الآلاف.

 واستباقاً لعملية الانتخابات التشريعية المرتقبة في منتصف مايو المقبل، أعلنت السلطات الجزائرية مجموعة قوانين وإصلاحات ووعود بإجراء انتخابات نزيهة وشفافة، فيما حذرت المعارضة بمختلف تياراتها من ممارسة السلطة لأي تلاعب من شأنه «تزوير» نتائج الانتخابات. وبين هذا وذاك يبقى التفاؤل بتأثير موجة مد «الربيع العربي» وهواجس تكرار سيناريو انتخابات 1992.

20 عاماً مضت على الانتخابات التشريعية التي ألغيت نتائجها في يناير 1992 بعد أن أفرزت فوزاً ساحقاً للإسلاميين بقيادة الحزب المحظور حالياً «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» التي فازت حينها بـ188 مقعداً في البرلمان من مجموع 389، على الرغم أن فريقاً آخر ذهب إلى أن فوز الإسلاميين حينها لم يكن حقيقياً على اعتبار أن 40 في المئة من الشعب الجزائري لم يدل بصوته، ما يعني أن «الإنقاذ» لم تحصد سوى 28 في المئة من الأصوات على أبعد تقدير وهو ما لا يعطيها الحق في صياغة دستور البلاد.

غير أن المعطيات الآنية بعد إلغاء نتائج تلك الانتخابات تغيرت رأساً على عقب. فالجزائر، التي استطاع العسكر فيها إبعاد الإسلاميين عن سدة الحكم في تلك الفترة، قد تعجز اليوم عن مقاومة موجة «الربيع العربي» التي اجتاحت عدداً من الدول العربية واستطاع بعضها أن يسقط أنظمة ظلت لعشرات الأعوام متربعة على السلطة لاسيما ما حدث في كل من تونس ومصر وليبيا والتي غيرت فيها معادلات الحكم ببروز القوى الإسلامية وصعودها للحكم.

إن الحديث عن الانتخابات المقبلة وربطها بـ«تشريعيات» 1992، وإن كان في ظاهره غير مطروح على الساحة الجزائرية عبر وسائل إعلامها الرسمية؛ يثير هواجس لدى العديد من قوى معارضة تحاول فرض نفسها على الساحة وتحذر من أي تلاعب في هذه الانتخابات.

 

هدوء حذر

وسرعان ما يطرح المتأمل لمجريات الأحداث تساؤلات عن سبب الهدوء الحذر الذي يشهده أكبر بلد أفريقي وعربي مساحةً وذي الموقع الاستراتيجي بحكم موقعه الاستراتيجي المطل على البحر المتوسط وثرواته الطبيعية وسط ثورات في دول الجوار.

ويبدو كما هو واضح أن تداعيات «الربيع العربي» ألقت بظلالها رغم كل ذلك على السلطة ممثلة في نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والتي أدركت خطورة ما يجري حينما أعلن بوتفليقة مجموعة من الإصلاحات السياسية في أبريل العام الماضي قال إنها ستعزز المسار الديمقراطي في البلاد الذي تعثر في العام 1992 عقب فوز «الجبهة الاسلامية للإنقاذ» بقيادة عباسي مدني وعلي بن حاج في انتخابات تشريعية سارع الجيش حينها إلى إلغاء نتائجها رغم تأكيدها في الصحيفة الرسمية في ظل نظام الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد القائم آنذاك.

غير أن محللين سياسيين أكدوا حينها أن إلغاء النتائج «كان مدبراً بين جهاز الدفاع الجزائري ممثلاً في الجيش من جهة وبين باريس التي زار قادة استخباراتها الجزائر عقب الإعلان عن فوز الإسلاميين مباشرة في ديسمبر 1991 تمهيداً لسيناريو إقصاء الإسلاميين عن الحكم والحفاظ على مصالح فرنسا في الجزائر».

 

تهديد ووعيد

وفي حين استبق بوتفليقة الحدث الانتخابي بالإصلاحات، استبقه أيضا وزير الداخلية دحو ولد قابلية الذي أدلى بتصريحات غير معهودة حينما توعد الولاة «رؤساء المحافظات» بعزلهم وسجنهم لكل من يثبت تورطه في تزوير الانتخابات المقبلة، وذلك قبل ثلاث شهور من الموعد، مؤكداً أن «فوز الاسلاميين فيها أمر مستبعد».

وبالمقابل، حذرت المعارضة من أي تلاعب في الانتخابات بقولها إن أي تزوير قد يدخل البلاد أمام مفترق طرق واصفة إصلاحات الرئيس الجزائري بـ «لعبة مغلقة». وفي كل الأحوال يبقى انتظار مرور الشتاء ليأتي ربيع الانتخابات التي ستكشف النقاب عما اذا كان ستسفر عن «ربيع ديمقراطي» أم أن ما حصل في دول الجوار سيطرق البوابات الجزائرية من نافذة السيناريوهات السوداء.