تحول الأزهر الشريف خلال الأيام الماضية «قبلة» يقصدها السياسيون الجدد الذين عج بهم المشهد المصري منذ ثورة 25 يناير، في محاولة من المؤسسة الدينية الأقدم في العالم الإسلامي لإعادة ضبط إيقاع اللعبة السياسية، حيث اتفقت احزاب سياسية وشخصيات على المحافظة على الحريات المدنية في الدستور الجديد باجتماع دعا اليه الازهر الذي بدا وكـأنه خلع جلباب «بيت الفتاوى».

ورغم أن تاريخ الأزهر الشريف يشهد بدوره السياسي الذي لم يبتعد يوما عن قضايا الأمة المصرية المصيرية، حيث شارك بقوة في مقاومة الحملة الفرنسية وإشعال ثورتي القاهرة الأولى والثانية والتصدي للاحتلال الإنجليزي لمصر، فضلا عن مشاركته القوية في ثورة 1919، الا أنه منذ ثورة 1952 التي فجرها العسكر والتف حولها الشعب، شهد دوره انحسارا لم يسبق له مثيل، وتحول إلى مجرد «بيت للفتاوى»، بل واستعان به الرئيس السابق حسني مبارك شخصيا في مواجهة معارضيه قبل أن يسقطه الشعب.

 

تهدئة المخاوف

وبعد شروق تباشير العهد الجديد، سعى الأزهر مجددا إلى استعادة دوره التاريخي كبوصلة لتوجهات الأمة، وحضن دافئ لكافة تياراتها وفصائلها السياسية والمذهبية، يساعده في ذلك حالة التشكيك المتبادل التي تنتاب جميع القوى على الساحة، والتي وجدت نفسها، راغبة أو مكرهة، تلجأ اليه باعتباره يقف على مسافة واحدة من الجميع.

فالتيار السلفي، الذي حل ثانيا في الانتخابات البرلمانية المصرية، وجد أن اطروحاته الدينية وافكاره، تثير قلق الكثير من القوى خصوصا غير الاسلامية. فأراد عبر الاحتكام الى الأزهر لتهدئة مخاوف الآخرين، الذين يمكن أن يشكلوا ضغطا على سلطة يرى أنها باتت قاب قوسين أو أدنى منه.

وفي المقابل، شدت القوى الوطنية والليبرالية رحالها الى مؤسسة الأزهر المعتدلة دينيا والتي تتخذ الوسطية منهجا وطريقا، على أمل أن تنتزع منها ضغطا على «الحكام الجدد» ذوي الخلفية الإسلامية، حتى لا يمارسوا بقوة السلطة المرتقبة لهم، تغييرا جذريا في شكل الدولة المقبلة، لاسيما وجهها المدني الديمقراطي الذي يستوعب الجميع تحت عباءته.

 

تبريد الاحتقان

وبناء على رغبة طرفي اللعبة السياسية الجديدة في مصر، وفي محاولة للتحرر من كونه البيت الخلفي لسيد «القصر الجمهوري»، دخل الأزهر بقوة في خضم المشكلات التي تلقي بظلالها على المشهد المصري، إذ أطلق «وثيقة الحريات» التي تطمئن القوى الليبرالية لمدنية الدولة المرتقبة، وكذلك التيار الديني على إسلامية مصر، وهو ما يمكن أن ينزع لغما عند كتابة الدستور الجديد، ويختصر وقتا تحتاجه مصر من أجل تسريع إجراء الانتخابات الرئاسية، حتى يكتمل هيكل السلطة الجديد.

كذلك سارع الأزهر الى محاولة «تبريد الاحتقان» والالتهاب المرتقب في عيد الثورة الأول، باستضافته اجتماعا موسعا لكل القوى المصرية، أثمر اتفاقاً على عدم التراجع عن استكمال الثورة وتنفيذ كافة مطالبها وضرورة عودة الجيش إلى ثكناته بعد انتهاء مهمته والمحافظة على الحريات المدنية في الدستور الجديد.

ويبدو من المشهدين أن الأزهر قرر دخول حقول السياسية الملغومة، واستعادة دوره التاريخي، وهو ما أثار قلق وخوف بعض الباحثين والمفكرين.