تغير المشهد السياسي في تونس، وأصبح الحكم في يد الإسلاميين بزعامة حركة النهضة، والذين تم إبعادهم عن الحكم؛ سواء في ظل حكم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، أو خلال فترة حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وهو ما يجعلهم في موقف صعب، خاصة وأن حركة النهضة مارست نشاطها الحزبي لأكثر من 30 عاماً في ظل السرية المطلقة، وعرف قياديوها وأنصارها السجون والمنافي والملاحقات الأمنية.

وبات عليها اليوم أن تقنع قواعدها بأن أوراق اللعبة تغيّرت، وأنها انتقلت إلى أخطر مرحلة في تاريخها وهي مرحلة ممارسة الحكم، بعد أن بدأت حركة وعظ وإرشاد، ثم تحولت إلى حركة سياسية، قبل أن تصبح حزباً حاكماً عليه أن يضمن العيش الرغيد لـ11 مليون تونسي، ويبسط الأمن والاستقرار على 165 ألف كيلومتر مربع.

 

«جبة» الحزب

وخلعت الحركة «جبة» الحزب العقائدي، واعتمرت قبعة الدولة، وهي تستعد لإطلاق مفاجآت خلال الأيام المقبلة بالاتفاق مع حلفائها، تصب في إطار بلورة مشروع المصالحة الوطنية.

 

سقوط الدولة

وبعد الثورة مباشرة، أدرك قياديو حركة النهضة أن سقوط النظام لا يعني سقوط الدولة، وأن حلّ حزب التجمع الدستوري لا يعني اقصاء «التجمعيين» الذين يبلغ عددهم أكثر من مليوني شخص، وأن أية محاسبة لا بد أن تكون على اسس التورط في الفساد وفي الإضرار المباشر بمصالح الشعب، في حين ارتفعت اصوات من الاحزاب اليسارية الراديكالية تدعو إلى فكرة اجتثاث واستئصال كل ما له صلة بالنظام المخلوع، بما في ذلك مؤسسات الدولة الأمنية والإعلامية والادارية.

وكانت النتيجة أن نسبة من «التجمعيين» دعو أنصارهم إلى مساندة حركة النهضة ضد اليسار، فهي على الأقل لا تدعو إلى إسقاط الدولة، ولا إلى ضرب النموذج الاقتصادي الليبيرالي المعتمد في البلاد، ولا إلى الانقلاب على النموذج الاجتماعي أو التشفي من رموز النظام المخلوع، بل انها اكثر الأطراف السياسية واقعية في فهم طبيعة وحقيقة ما حدث في تونس.

 

قطيعة وقيم

ويرى رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي ان تونس مابعد الاستقلال «قامت على القطيعة مع قيم و ثوابت الهوية العربية والاسلامية، وهو الخيار الذي دعمته قوى اليسار الانتهازي والفرنكوفونية والارستقراطية ونخب العاصمة المتقاطعة مع بقية ارجاء البلاد، وخاصة في المناطق الداخلية».

وأضاف: «تأكد لحركة النهضة بوصفها حزباً حاكماً أن قيادة تونس نحو الخروج من ظروفها الاقتصادية والاجتماعية الصعبة تتطلب مصالحة شاملة، وفتح المجال أمام جميع الكفاءات والطاقات، دون المحاسبة على أساس الفكر أو الانتماء الحزبي السابق، حيث إن أغلب الكوادر المهمة في البلاد كانت قبل الثورة مرتبطة بالحزب الحاكم، كما أن الحكومة الجديدة مطالبة بالاستفادة ممن يمتلكون تجربة الحكم وممن يعرفون كيفية تسيير الدولة ويستجيبون لمتطلبات العمل الاداري والتقني، وممن بهم استمرت الحياة في البلاد أثناء وبعد الثورة».