لم يعد أمرا يشغل الأردنيين كما يشغلهم ملف «هيبة الدولة» المفقود هذه الأيام، كما لم يفقد من قبل حتى في أحلك ظروف الأردن الأمنية. «كل عام وهيبة الدولة بخير».. «هيبة الدولة أولاً» هي شعارات بدأ الأردنيون يتندرون بها أمام حالة من فقدان احترام المواطنين للدولة ولمؤسساتها سواء الأمنية أو غيرها.

قبل يومين أيضا، هاجم أولياء أمور مدارس عدة في مدينة السلط وسط البلاد خلال تقديم أبنائهم لامتحانات الثانوية العامة في محاولة لتسريب الإجابات لهم، وإزاء هذا المشهد أعلنت وزارة التربية والتعليم عن إلغاء الامتحانات في المدينة بأسرها جراء ما أسمته التجاوزات التي حدثت في جميع قاعات مديرية التربية والتعليم لمنطقة السلط.

لكن ما إن أعلن عن قرار وزارة التربية حتى تجمع عدد كبير من الشبان في المدينة، وهو ما استدعى تدخل قوات الدرك التي رشقت بالحجارة، ما دعا الدرك بالرد من خلال القاء القنابل الغاز المسيلة للدموع.

 وبعد نحو الساعتين على احتجاج الشبان أعلن النائب عبد الله النسور أن وزير التربية والتعليم الدكتور عيد دحيات أبلغه أنه لم يتم إلغاء امتحانات الثانوية العامة.

وفيما أعلن عن حرق شبان لدراجة نارية تتبع للأمن العام وحطموا الواجهة الأمامية لنقطة أمنية في مجمع رغدان السياحي بعد أن فرقتهم قوات الدرك من اعتصام نفذه العشرات من أبناء حي الطفايلة في عمان للمطالبة بمنح دراسية وتوفير فرص عمل للعاطلين عن العمل، يتوقف مصححو أوراق الثانوية العامة في محافظتي الكرك ومعان، جنوب المملكة، عن تصحيح أوراق الامتحان احتجاجا على هيكلة الرواتب الذي أعلنته الحكومة مؤخراً. فهل نحن أمام انفلات أمني أم فقدان لهيبة الدولة؟

 

ضعف الحكومات

ويرى استاذ تاريخ الاردن المعاصر الدكتور علي محافظة أن «من أولى الأسباب لفقدان هيبة الدولة هي ضعف الحكومات الأردنية المتعاقبة منذ عام 2000 حتى اليوم، وعجزها عن القيام بواجبها ومهمتها الأساسية، وهي الإشراف التام على إدارة الدولة وأجهزتها، ومؤسساتها».

كما أن من الأسباب، وفق د. المحافظة، «ضعف شخصيات رؤساء الحكومات والوزراء الذين تهاونوا وتراجعوا عن القيام بدورهم الذي يعطيهم إياه الدستور الأردني والقوانين نافذة المفعول في المملكة، وتمرد بعض أجهزة الدولة على الحكومات المتعاقبة وعدم الالتزام بتعليماتها».

ويقول محافظة: «لقد شعر الناس بوجود حكومتين في البلد، الأولى الرسمية المعلنة وحكومة خفية هي صاحبة السلطة الحقيقية، وهما حكومتان تهاونتا في معاقبة بعض القوى العشائرية، واللصوص والمجرمين وغيرهم لأنها بحاجة اليهم لاستخدامهم في مواجهة الحراك الشعبي المطالب بالإصلاح».

وينظر د. محافظة الى أن الحل يكمن في تشكيل حكومة وطنية من المطالبين بالإصلاح الحقيقي والمؤمنين بمكافحة الفساد، والنزيهين الشفافين ذوي التاريخ المعروف، مضيفاً أن قيام حكومة من هذا النوع تنفذ مطالب الشعب في الاصلاح ومكافحة الفساد، وتطبق القوانين في الدولة دون مراعاة للاعتبارات المختلفة العشائرية والعائلية والجهوية وغير ذلك من شأنه أن يعيد للدولة هيبتها.

 

ثقافة «الافلات من العقاب»

من جانبه يرى مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي أن ثقافة «الافلات من العقاب» اتسعت في المجتمع، مستشهدا بقرار وزير التربية والتعليم العودة عن قرار الوزارة بإلغاء امتحانات السلط بعد ساعات من خروج شبان للاحتجاج على القرار.

وقال الرنتاوي: «لو عاقبت الدولة من حاول تسريب الاجابات للطلبة لما وقع كل ما وقع ولكن أسلوب الحكومة بات يعتمد على فنجان القهوة لحل أكبر المشاكل، مشيرا إلى أن حوادث القتل باتت تعالج عبر ما فنجان قهوة بصلحة عشائرية فلماذا يحترم الناس القانون؟

ويضع الرنتاوي أكثر من سبب لذلك، فإضافة إلى الضائقة الاقتصادية، هناك الفراغ السياسي في البلاد، والافتقار إلى منظومة إصلاحات شاملة، «فلا تنمية مجتمع مدني أو بيئات ناظمة في الحياة المدنية، فحلت الروابط العائلية والعشائرية مكان مؤسسات الدولة، أو حتى الحزب».