تحولت تونس فجأة إلى دولة حاضنة للثورات العربية بعد أن كانت ترفض الخوض في الخطاب الثوري والعقائدي لمدة تتجاوز 50 عاماً. فخلال مرحلة النظام البورقيبي التي استمرت من العام 1957 الى 1987، عرفت تونس بخلافاتها الحادة مع كل الانظمة التي ترفع الشعارات الثورية، من نظام جمال عبد الناصر في مصر إلى معمر القذافي في ليبيا. كما بنت أجهزة الأمن السياسي التونسي جدراناً متينة أمام أي خطاب ثوري قادم من الشرق، سواء كان ناصريا أم بعثيا أم شيوعيا، فضلا عن أن تونس البورقيبية كانت دائما في حالة جفاء مع الاتحاد السوفييتي السابق وحلف وارسو المنحل. كما وقفت بقوة مع العراق في حربه ضد ايران، والتي استمرت ثمانية أعوام من منطلق خوفها من تصدير الثورة الايرانية الى الدول العربية.

فترة بن علي

وعندما أمسك زين العابدين بن علي بالسلطة في العام 1987، بادر بإلغاء الاحتفال السنوي بذكرى الثورة التونسية ضد الاستعمار الفرنسي والتي كانت تنظم في 18 يناير من كل عام. وعرف عن النظام التونسي انه كان دائما من دعاة الحلول السلمية لجميع القضايا بما في ذلك القضية الفلسطينية. كما كانت وسائل الاعلام الرسمية المرئية و المسموعة ممنوعة بقرارات حكومية من بث أي عمل فني يتحدث عن الثورة و الثوار سواء كان أغنية أو مسلسلا أو شريطا سينمائياً.

 

ليبيا وسوريا

أما اليوم، فإن تونس تقدم نفسها على أنها حاضنة الثورات العربية سواء من خلال دعمها للثوار الليبيين بفتح حدودها لنقل السلاح والمؤونة اليهم وتوجيه اعلامها لخدمتهم و تبني مشروعهم، أو من خلال احتضانها لمؤتمر المعارضة السورية منتصف ديسمبر الماضي ومبادرة الرئيس منصف المرزوقي بإلقاء خطاب اعتبره مناوئوه خروجاً عن تقاليد الدبلوماسية التي انبنت على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

 

اسماعيل هنية

وجاء الاستقبال الجماهيري والرسمي الحاشد لرئيس الحكومة الفلسطينية المقالة لاسماعيل هنية دليلا آخر على التحول في الفكر السياسي والتقاليد الدبلوماسية التونسية، حيث اعتبره المراقبون انقلابا على المواقف السابقة من القضية الفلسطينية واعلان انحياز لحركة حماس في مواجهة السلطة الفلسطينية.

وكان غياب السفير الفلسطيني عن حفل استقبال هنية بالمطار دليلا عن اندراج الزيارة خارج دائرة المصالحة المعلنة بين الفصائل الفلسطينية وارتباطها بالعلاقات العقائدية التي تجمع بين حركتي حماس والنهضة التونسية، وهو ما تأكد من خلال تعبئة حركة النهضة لأنصارها لاستقبال هنية سواء في المطار أو في المناطق التي زارها بشعارات وهتافات ثورية تنادي بتحرير فلسطين. كما كانت خطبة الجمعة التي ألقاها هنية في جامع عقبة بن نافع بالقيروان دليلا آخر على التحول في الرؤية التونسية للأحداث بمنطقة الشرق الاوسط وتبنيها لخيار المقاومة، بعد أن كان نظاما بورقيبة وبن علي يدعوان الى الحل السلمي عبر المفاوضات.