يدرك الاردن ما الذي يعنيه تنفيذ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو لقراره بناء جدار أمني على الحدود وعلى طول وادي عربة، بعد الانتهاء من بناء الجدار الأمني الآخر على الحدود مع مصر. بل إن السياسة الأردنية المعلنة نظرت منذ البداية الى جدار الفصل العنصري الذي قطعت فيه اسرائيل أوصال الضفة الغربية بانه تهديد للأمن الوطني الأردني، بما يعنيه من احتمال تهجير الفلسطينيين.. فكيف اذا أكملت اسرائيل حلقات الجدار وخنقت الضفة الغربية أكثر مما تخنقها اليوم؟.
لم يصدر عن المسؤولين الأردنيين الكثير فيما يتعلق بجدار اسرائيل على حدودهم، ولكن وزارة الخارجية الأردنية صرحت أن الحكومة لم تتسلم أية معلومات رسمية حول ما تناقلته وسائل إعلام أمس بشأن قرار إسرائيلي بناء جدار أمني على الحدود المشتركة لمنع تسلل مهاجرين أفارقة إلى إسرائيل. وفي تصريح مقتضب، خرج الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأردنية السفير محمد الكايد ليؤكد أن عمان لم تبلغ رسميا بهذا الأمر، كما لم تتم بشأنه أي مباحثات، معتبرا ان «ما اثير هو شأن إعلامي لم تبلغ به بلاده رسميا».
إعلان سياسي
ولا ينظر الخبير في الشؤون الإسرائيلية نواف الزرو الى هذه المسألة من ذات العين الذين تراها الخارجية الأردنية، واصفا الخطوة الإسرائيلية بـ«الإعلان السياسي وليس الأمني». وقال لـ«البيان» انه «ليس هناك من مشاكل أمنية تواجه اسرائيل في هذه المنطقة، ونتانياهو بهذا الإعلان يكون حدد حدود اسرائيل».
ويوضح الزرو أن «الأدبيات السياسية الإسرائيلية تؤمن بان نهر الأردن يشكل الحدود الدولية لإسرائيل«، مشيرا الى ان هذا الإعلان يضاف الى سلسلة من الجدران الأخرى التي كانت اسرائيل أعلنت عنها على مختلف جبهاتها مع الدول العربية. ويضيف أن «كل هذه الجدران تتكامل سياسيا واستراتيجيا في إطار المشروع الاسرائيلي الذي يحدد مساحة اسرائيل في الوقت الراهن من البحر الى النهر».
الوطن البديل
ويشير الزور الى ان الإعلان وبهذا المعنى يصب في ملف «الوطن البديل» الذي يقع في صلب المشروع الصهيوني وادبياته السياسية، منوها الى أن الاستراتيجية الإسرائيلية تستند الى جدار خطة ترمي إلى شطب القضية الفلسطينية وفي مقدمتها حق العودة، كون هذه الدولة تتناقض جوهريا واستراتيجيا مع الوجود اليهودي في فلسطين المحتلة.
ويحذر المحلل الاردني من أن ملف الوطن البديل بدأ يتحرك حتى في أروقة الكونغرس الأميركي، بدفع من اللوبيات الاسرائيلية في واشنطن، مشددا على ضرورة تنبه الأردن الى هذا الأمر واعتباره على رأس أولوياته السياسية.
قلق وجودي
ونحى الخبير في ملف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية عدنان محمود ذات منحى الزرو، ولكنه أضاف ان «الإعلان يعبر عن القلق الوجودي الذي تحاول الإيحاء به اسرائيل للعالم بان محيطها العربي معاد».
وشكك محمود في حديثه لـ«البيان» من جدوى الجدار سواء من الناحية الأمنية او العسكرية، مستطردا: «لكنه يمكن ان يفيد في حال وقع زحف شعبي معاكس من قبل الاردن مثلا نحو فلسطين المحتلة».
الاصلاح والجدار
وبشأن ما إذا كان الجدار ترجمة لقراءة اسرائيلية مستقبلية حيال توقعاتها ان الاصلاح الذي تدعو اليه القوى السياسية في الاردن سيتحقق في النهاية، وان ترجمته على الارض لن يكون في صالحها قال امين عام حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي سعيد ذياب إن «محددات المستقبل السياسي الاردني عديدة، وبالتالي اسرائيل ليست اللاعب الوحيد، ولكن مجرد تفكير اسرائيل ببناء الجدار يدفعنا الى التفاؤل بالحالة الشعبية العربية المقبلة». واوضح ان الخطوة الاسرائيلية يمكن قراءتها في ان المنطقة تفتقر للاستقرار، وان حالة المخاض ستسفر عن شكل سياسي ليس في صالح تل ابيب.
خطوة أخرى
بدوره، يقول رئيس الدائرة السياسية في حزب جبهة العمل الاسلامي الواجهة السياسية لجماعة الاخوان المسلمين زكي بني ارشيد ان «اعلان نتانياهو بناء الجدار وأد لأي أمل بقيام دولة فلسطينية، حتى وإن كان كما تزعم اسرائيل على ما تراه اراضيها وليس الاراضي المتنازع عليها مع الفلسطينيين».
وقال في تصريح لـ «البيان» ان هذا الامر «بداية الخطوات الإسرائيلية العملية للوطن البديل»، داعيا صناع القرار الاردني الى «التوقف أمام القرار طويلا، لان اي تهاون في هذا الموضوع على حد قوله سيحمل الاردن تبعات كبيرة».
ويبدو عضو المجلس المركزي الفلسطيني مأمون اسعد بيوض التميمي اكثر تفاؤلا بالخطوة الاسرائيلية تجاه الاردن بالقول: «نعيش عصر ربيع الشعوب العربي الذي لا زالت جذوته في اتقاد مستمر، واسرائيل كما غيرها لم تعد تستطيع متأكدة من المستقبل». ويضيف أن «عملاقا عربيا ولد وهو في طور النمو، يرى اسرائيل غاصبة لدولة عربية».
