استقبل التونسيون عاماً جديداً في ظل واقع استثنائي فرضته ثورة 14 يناير 2011 التي عصفت بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي واجتثت إرث الدولة البورقيبية ووضعت البلاد لأول مرة امام حقائق الانتماء والاختلاف والتنوع والتعدد في الأفكار والرؤى والتوجهات وكشفت عن واقع تونسي مليء بالتناقضات التي كانت خافية لمدة أكثر من 55 عاماً.

وفي حين تستعد البلاد للاحتفال بالذكرى الأولى للثورة، يشعر الشارع التونسي بتفاؤل مشوب بالقلق بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة وحالة الاصطفاف الأيديولوجي وظهور جماعات يمينية ويسارية متطرفة وبروز بوادر الاعتداء على الحريات الشخصية من قبل بعض المجموعات المتعصبة التي تجاهر برفضها للنموذج الاجتماعي السائد.

وبتواصل الإضرابات والاعتصامات في الكثير من جهات البلاد، يتواصل شلل قطاعات مهمة في الاقتصاد التونسي، ما دفع بالرئيس المنصف المرزوقي ورئيس الحكومة حمادي الجبالي الى لفت الانتباه الى ان الدولة لن تقبل باستمرار ما اعتبراه «خروجاً عن القانون وعملاً انتحارياً يصب ضد مصلحة الدولة والشعب».

 

الخارجون عن القانون

ولم يعد خافياً على المراقبين أن هناك حالة تيئيس للشارع بالتركيز على التشكيك في قدرة القادة الجدد على ربط علاقات جيدة مع الدول الشقيقة والصديقة وجلب الاستثمارات الخارجية وإعادة عجلة الإنتاج الى الدوران واسترجاع السياحة التونسية لإشعاعها الذي عرفت به قبل الثورة وكبح جماح الخارجين عن القانون.

ويبقى الملف الأبرز هو المصالحة الوطنية التي لم تتحقق بعد، والذي يلعب الإعلام التونسي دوراً كبيراً في تأجيله عبر تجييش الشارع ضد كل من له علاقة بالنظام السابق وضد كل محاولة لطي صفحة الماضي في بلد كانت أغلب كفاءاته ونخبه رهينة لضغط مؤسسات الحكم طيلة 23 عاماً، ويبدو ان الواقع يزداد تعقيداً باتساع ظاهرة «الإرهاب الإعلامي» الذي تمارسه مختلف الأطراف السياسية عبر نشر الإشاعات وخاصة على المواقع الإلكترونية، الى جانب السعي الى التقليص من هيبة الدولة للإطاحة بمراكز القرار فيها.

 

الأحكام المسبقة

ومما يثير القلق اكثر ان الحكومة الائتلافية المنتخبة تشعر انها تمارس مهامها تحت وطأة الأحكام المسبقة عليها بالفشل وفي ظل عجزها عن إسكات مناوئيها الذين يسعون يومياً لمضايقتها دون ان تستطيع الاقتراب منهم، حيث تدرك انها تتحرك في فضاء مليء بالألغام القابلة للانفجار في أي حين.

ومع ذلك، فإن نسبة مهمة من التونسيين تحاول ان تنظر الى المستقبل بالتفاؤل الذي يسعى المسؤولون الجدد الى تسريبه الى النفوس، غير ان هذا التفاؤل عادة ما يصيب انصار احزاب الائتلاف الحاكم ومن يرون ان الحكومة الجديدة تتميز بالنزاهة والشفافية وهي على الأقل لن تكون حكومة لصوص مثلما كان الأمر قبل الثورة.