مع اقتراب الذكرى الأولى لثورة 25 يناير في مصر والتي تشهد العديد من التحولات والمناورات والمصادمات، يظل مؤكدًا أنها ثورة أبعد ما تكون عن الاكتمال بعد أن زال عنها ندى صباح أيامها الأولى وبات الصراع سيد الموقف بين ثلاث قوى تتنازع على البقاء في صدارة المشهد وهي: المؤسسة العسكرية، التيارات الإسلامية، والقوى المدنية. ويبقى التساؤل الأهم في المرحلة المقبلة: لمن ستكون الغلبة؟!.

قبل نحو عام من الآن، عاشت مصر حالة من الليبرالية طوال أيام الثورة الأولى كان موطنها ميدان التحرير وتعالت فيها الأصوات والحناجر المطالبة بمدنية الدولة والحرية المصحوبة بالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. وتطلع الثوار آنذاك للمرة الأولى منذ استيلاء العسكر على مقاليد الحكم في عام 1952 إلى أن يكونوا جزءًا من العالم الحديث.

إلا أن آمالهم سرعان ما تبددت بعد تنحي الرئيس السابق حسني مبارك في 11 فبراير من العام الماضي، بعدما تخلّت الحشود عن الميدان فور الإطاحة بمبارك ثم ظهور جماعة الإخوان المسلمين التي رآها معظم المصريين القوة الأكثر واقعية من ثوار الميدان صغار السن.

 

واجهة الجيش

آنذاك، لعب المجلس العسكري على هذا الحبل في مطلع توليه مقاليد الأمور واستخدم الإخوان كواجهة له، لينجح خلال الأشهر الأولى للثورة في تقديم نفسه كضامن للاستقرار بالتحالف مع الإخوان الذين ركزوا خلال تلك الفترة على تنسيق جهودهم للاستحواذ على البرلمان، في وقت كانت القوى الثورية والحزبية مشتتة تبحث عن تحقيق مكتسبات الثورة على أرض الواقع. لكن مع مرور الوقت وتزايد ضغوط ثوار التحرير على المجلس العسكري، متهمين اياه بالتباطؤ في خطوات المرحلة الانتقالية، لم يكن أمام المجلس سوى مغازلة «الأغلبية الصامتة» أو حزب الكنبة»، وهم فئة المصريين الذين اكتفوا بمتابعة الأحداث من بعيد، وذلك بالحديث عن مؤامرات لإسقاط الدولة.

وبالتزامن مع ذلك، اتهم الجيش شباب التحرير بتلقي التمويل الأجنبي أو البلطجة وإثارة الشغب، وأخيرًا استخدم القوة المفرطة لتفريقهم، ما جعل الثوار يشعرون أن ثورتهم سرقت من قوى لا تريد حكمًا مدنيًّا. وتلك القوى، على حد اعتقاد ثوار التحرير، متمثلة في المؤسسة العسكرية التي رأت في رحيل مبارك وبعض أصدقائه من رجال الأعمال امرا كافيًا لاستعادة دورها من جديد بعد أن همشت في عهد النظام السابق أمام تعظيم دور وزارة الداخلية والاستخبارات.

 

جني الثمار

أما القوة المضادة الثانية فهي الإسلامية والتي على الرغم من وصولها متأخرة إلى ميدان التحرير بعد فترة من التلكؤ، إلا أنها كانت في أوائل الصفوف لجني ثمار الثورة عبر صناديق الاقتراع، حيث حصل حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان، على 40 في المئة من مقاعد البرلمان، وحصد حزب النور السلفي على 30 في المئة من المقاعد في الجولتين الأولى والثانية من الانتخابات، على عكس الأحزاب التقليدية الأخرى مثل «الوفد» و«التجمع».

 

الاسلام السياسي

وربما تكون أغلبية البرلمان هي أول ما تحقق للإسلام السياسي، ورحيل مبارك هو أول ما تحقق للمؤسسة العسكرية، إلا أنه بقي الثوار وربما الليبراليون في خندق واحد في «المربع صفر» من دون تحقيق ما كانت تنادي به ثورتهم من دولة مدنية. ويظل التساؤل حائرًا في مصر ذات التاريخ الطويل والمكانة الإستراتيجية والجغرافية الواسعة والزعيمة التقليدية سياسيًا وثقافيًا في العالم العربي: لمن تبقى؟.