تودع مصر عام 2011 على وقع «كوابيس» سياسية واقتصادية واجتماعية، لم تكن تتصور أنها ستصل إليها، خصوصاً وان بداية هذا العام لم تكن توحي بذلك، بل عكسه تماماً، حيث فجر الشباب ثورة رفعت سقف التطلعات إلى درجة عالية، ثم اكتشف الجميع بعد ذلك انه «ليس بالثورات فقط تحيا الشعوب». ومع توالي أحداث العام، ترسخ لدى قطاع عريض من المصريين قناعة تبدو كبيرة إلى حد بعيد، وهى ان الثورة التي كانت بلا رأس، أضحت ثورة بلا عقل، ولم تساهم في إحداث التوازن المنشود والعدالة الغائبة، وإنما ساعدت على اختلال الموازين المختلة بالفعل، لدرجة جعلت الجميع يخشى «المجهول» المقبل في 2012.

بدأ عام 2011 وتحديداً في 25 يناير، بثورة ألهمت العالم لفرط سلميتها وعفويتها وسخريتها الهائلة، والتي استمرت 18 يوماً، انتهت بزوال حكم الرئيس السابق محمد حسني مبارك الذي ظل قابعاً على السلطة 30 عاماً، في مشهد لن يترك ذاكرة المصريين الذين لم يتخيلوا قط، ان هذا الرجل القوي القابض على الحكم بيد حديدية سيكون في ذمة التاريخ بعد أيام قليلة من الانتفاض عليه.

خرج المصريون من هذه التجربة الثورية مذهولين بحجم الإنجاز الذي حققوه، وهنا كانت «السقطة» الكبرى لهم، إذ ان الأفراط في التفاؤل الناجم عن إزاحة مبارك، لم يترك لهم فرصة لتبصر ما هو مقبل، ولم يكونوا بالفعل مستعدين للمرحلة التالية التي تعين عليهم فيها بناء نظام جديد، يضمن معالجة أخطاء وخطايا الماضي، بكثير من الواقعية السياسية، وتعبئة كافة الطاقات والجهود لهدف وحيد يتمثل في نقل البلاد من مرحلة القمع وغياب العدالة والديمقراطية إلى مرحلة التوزيع العادل للثروة وتبادل السلطة ورفع المعاناة عن كاهل قطاعات عريضة من الشعب، ضرب الفقر المدقع 40 في المئة منها.

دخل المصريون المرحلة الانتقالية التي تلت غياب مبارك «فقط» وليس نظامه عن الصورة، فاقدين لأهم سلاح كان بأيديهم خلال الثورة، وهو التوحد خلف هدف واحد، وبمجرد انطلاق هذه المرحلة الأهم في بناء النظام الجديد، تفرقوا إلى قبائل شتى، ولم يتفقوا على آلية لعبور هذه المرحلة.

هذا الانقسام بين الأفرقاء خلق اضطراباً سياسياً كبيراً، وجعل لغة التخوين حاضرة بقوة في مفردات الحياة السياسي اليومية، ونتج عن ذلك تراجع كبير لتيار القوى الثورية التي فجرت الثورة، لصالح تيار الإسلام السياسي الذي قرأ المشهد قراءة جيدة مكنته من الاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان في جولتي الانتخابات التي جرت خلال الفترة الأخيرة.

ولم يتوقف الأمر عند حد الانقسام السياسي في المجتمع، بل تأججت المواجهات العنيفة التي عبر فيها المتظاهرون «الخط الأحمر» بالاشتباك مع الجيش الذي حمى الثورة منذ بدايتها وارتكب أخطاء سياسية في إدارة المرحلة الانتقالية.

هذا المناخ المضطرب والعنيف أشعل حرائق كثيرة امتدت إلى مؤسسات الدولة وتاريخها، وكان المجمع العلمي أبرز ضحاياها، مثله مثل الاقتصاد الذي ترنح على نحو لم تشهده البلاد من قبل حتى في أسوأ ظروفها، وهو ما يضع الجميع في 2012، أمام مسؤوليات أبسط ما يقال عنها أنها ضخمة وغاية في الصعوبة.. فهل ينجح «الحكام الجدد» الذين سيخلفون مبارك في إطفاء الحرائق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أم ان عجلة التدهور ستواصل دورانها؟