ستبقى صورة الشاب التونسي محمد البوعزيزي ابن مدينة سيدي بوزيد الفقيرة الذي أشعل النار في نفسه، ماثلة بالأذهان، لأن الشرارة التي انطلقت من الوسط التونسي، سرعان ما انتشرت نيراناً في أكثر من بلد عربي، أدت إلى قلب أنظمة متسلطة كانت الشعوب تعتقد لزمن طويل أنها خالدة مخلدة، ومثلت وقوداً للثورات التي انطلقت في العديد من الدول العربية.
اندلعت ثورة الياسمين في 18 ديسمبر 2010 تضامناً مع البوعزيزي الذي أضرم النار في جسده في 17 ديسمبر 2010 تعبيراً عن غضبه من بطالته ومصادرة العربة التي كان يكسب رزقه منها على يد الشرطية فادية حمدي.
في ذلك اليوم خرج آلاف التونسيين احتجاجاً على تفاقم البطالة واختلال ميزان العدل واستفحال الفساد ضمن الطبقة الحاكمة، ونتج عن هذه المظاهرات التي شملت مدناً تونسية عدة، سقوط العديد من القتلى والجرحى بين المتظاهرين نتيجة اشتباكهم مع قوات الأمن، وأجبرت المظاهرات الرئيس زين العابدين بن علي على إقالة عدد من الوزراء بينهم وزير الداخلية، وتقديم وعود لمعالجة المشكلات التي نادى بحلها المتظاهرون.
كما أعلن في خطابه للتونسيين عزمه على عدم الترشح لانتخابات الرئاسة عام 2014، قائلاً عبارته الشهير «الآن فهمتكم .. لا رئاسة مدى الحياة لا رئاسة مدى الحياة». تلا ذلك الخطاب، ففتح المواقع المحجوبة عقب خمسة أعوام من المنع، إضافة إلى تخفيض أسعار بعض المنتجات الغذائية تخفيضاً طفيفاً. لكن الاحتجاجات امتدت حتى وصلت إلى المباني الحكومية ما أجبر بن علي على التنحي عن السلطة ومغادرة البلاد بشكل مفاجئ في 14 من يناير الماضي، فأعلن الوزير الأول محمد الغنوشي في اليوم نفسه عن توليه رئاسة الجمهورية بصفة مؤقتة.
تغيرات نوعية
وشكلت ثورة الياسمين مصدر إلهام رئيس لسلسلة من الاحتجاجات والثورات في عدد من الدول العربية، فمع اندلاع الثورة التونسية بدا أن المنطقة العربية مقبلة على تغيرات نوعية لم يكن أحد يتوقعها، لا في مراكز الدراسات المتخصصة، ولا في معاهد الأبحاث.
وفي البداية حاول بعض الشبان في غير مكان من الوطن العربي تقليد حالة البوعزيزي بإحراق نفسه، لاسيما في الجزائر ومصر والمغرب والسودان وموريتانيا. وعلى الرغم من أن ثقافة الانتحار غريبة عن المجتمعات العربية، فإنها كانت تعبر بشكل أو بآخر عن حالة اليأس التي كانت تجتاح شرائح واسعة من المجتمعات العربية. وقد أطلق بعض علماء الاجتماع والكتاب الصحفيين على هذه الحالة اسم «الظاهرة البوعزيزية»، تعبيراً عن انسداد الآفاق في وجه الجيل الجديد الذي نشأ في ظل أنظمة القمع والفساد.
وكان لافتاً أن شبكات التواصل الاجتماعي، التي نظر إليها دائماً بعين الشك والريبة، وبأنها تزيد من عزلة الإنسان، الدور الأبرز في تحقيق التواصل بين مجموعات الشباب المحتجين، إذ نابت عن دور الحزب السياسي في توجيه الاحتجاجات وتوحيد الشعارات والأهداف.
وكان للكلمة التي كتبها محمد بوعزيزي آخر غير الذي انتحر، دور في شحن الشباب التونسي والعربي بطاقة ثورية، مما انطوت عليه تلك الكلمة من معاني عبرت عن مشاعر الكثير من الشاب العربي، الذي يعيش التهميش والبطالة وانسداد الآفاق.
تغيير المفاهيم
وغيرت الثورة التونسية الكثير من المفاهيم والنظريات، فللمرة الأولى في التاريخ، تندلع ثورة دون قيادة سياسية محددة، ودون برنامج وشعارات ونضال سري أو علني. وللمرة الأولى تقود التكنولوجيا حركة الجماهير، وتوجهها، وتنظمها، وتنشر دعايتها، دون أن يكون خلفها إيديولوجية ثورية أو غير ثورية.
ومع اندلاع الثورة، ولى عهد الخوف من الأنظمة القمعية الديكتاتورية، التي ذهبت إلى متحف التاريخ تعبيراً عن حقبة مظلمة من تاريخ البشرية، سيتذكرها الناس بعد عقود بالكثير من الغضب والاشمئزاز. ولم يعد هناك «رئاسة مدى الحياة»، كما قال بن علي، ولم يعد هناك حزب واحد، ولى الحزب الواحد، وولى القادة الملهمون، وولت الطغم العسكرية وغير العسكرية الحاكمة إلى الأبد.
