مثلما حمل العام 2011 نسائم حرية وديمقراطية على أقطار عربية مجاورة، كان أكثر إشراقاً من غيره على الفلسطينيين، رغم تلذذ إسرائيل في ممارسة احتلالها وحصارها واستمرار تصعيدها العسكري والسياسي والاقتصادي، إذ حققت المقاومة الفلسطينية إنجازاً تاريخياً بإطلاق سراح أكثر من ألف أسير فلسطيني مقابل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، كما حققت الفصائل الفلسطينية فوزاً داخلياً بتوقيع اتفاق المصالحة الذي رأب الصدع بين حركتي «فتح» و«حماس».
ومع أن المسعى الفلسطيني لإعلان الدولة فشل في جولاته الأولى لعدم الحصول على تسعة أصوات تكفل عضوية كاملة في منظمة الأمم المتحدة، إلا ان ذلك لم يكن نهاية المطاف بالنسبة للقيادة الفلسطينية، التي تعهدت بمواصلة الدرب، وأعلنت أيضا عزمها التوجه لمجلس الأمن لمواجهة الاستيطان المتنامي في القدس الشرقية والضفة الغربية.
إنهاء الانقسام
أنهى اتفاق المصالحة بيت حركتي «فتح» و«حماس»، الذي تم توقيعه برعاية مصرية في القاهرة في مايو الماضي، سنوات من الانقسام الذي أثقل كاهل الفلسطينيين، وشتت قوتهم وفرّق شملهم. ونصت وثيقة المصالحة، التي حضر حفل توقيعها الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لـ«حماس» خالد مشعل، على تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم شخصيات مستقلة، وتشكيل لجنة انتخابية، بالإضافة إلى إطلاق سراح السجناء من كلتا الحركتين، وإغلاق ملف الاعتقال السياسي.
ورغم إعلان إسرائيل صراحة أن الاتفاق بمثابة «ضربة قاسية للسلام»، إلا أن مباحثات اتمامه تواصلت، وتُوجت بلقاء ثانٍ جمع عباس ومشعل في القاهرة في نوفمبر الماضي، تم فيه التأكيد على تطوير هياكل منظمة التحرير وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في موعدها، وإعادة توحيد المؤسسات الأمنية والمدنية، والتمسك بالتهدئة مع الاحتلال، فضلا عن استمرار ماراثون المشاورات لتشكيل حكومة الوفاق، التي تعد أبرز النقاط الخلافية بين الطرفين.
صفقة الأسرى
ولعل أبرز وأهم انجازات هذا العام، بل وانجازات المقاومة الفلسطينية، التي لاقت قبولا وإجماعا داخليا وخارجيا، وأرجع البعض الفضل فيها للثورة المصرية، كانت صفقة تبادل الأسرى بين حركة «حماس» وإسرائيل، والتي قضت بإطلاق سراح 1027 أسيرا فلسطينيا مقابل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الذي أسرته المقاومة الفسطينية في العام 2006، بعد خمس سنوات من المفاوضات الشاقة والمساومات التي حاول فرضها الاحتلال.
إعلان الدولة
بدأ المسار الفلسطيني في الأمم المتحدة في 23 سبتمبر الماضي، بإيداع الرئيس محمود عباس الترشيح الذي رافقته حملة شعبية ودبلوماسية واسعة لضمان تأييد تسعة أصوات من اصوات البلدان الخمسة عشر في مجلس الأمن، قابلتها اسرائيل والولايات المتحدة بمعارضة شديدة وتهديد لم ينتهِ.
ورغم أن لجنة قبول الطلبات في مجلس الامن اجتمعت مرارا، لكنها لم تتوصل الى اتفاق حول طلب فلسطين، ومنذ الاجتماع الأخير الذي عقدته اللجنة في 11 نوفمبر، الذي انتهى برفض الطلب الفلسطيني، شددت القيادة الفلسطينية على تمسكها بمواصلة مسعاها في المنظمة الدولية، رغم التشكيك في إمكانية التصويت خلال 2011، والحديث عن بديل لهذا «الطريق المسدود»، وهو طلب اجراء تصويت في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، حيث تتوافر للفلسطينيين اكثرية عريضة ولا مجال لاستخدام حق النقض «الفيتو».
مفاوضات متعثرة
وفي خضم هذا المعترك، لم تعد المفاوضات تشكل خيارا حقيقيا للفلسطينيين، مع استمرار توجه الشارع الإسرائيلي لليمين، واسترضاء حكومة الاحتلال له بتصعيد هجماتها ضد الفلسطينيين وإطلاق العنان لتطرف المستوطنين. وفي ظل غياب موقف فلسطيني موحد تجاه المفاوضات، وتراجع الآمال بدعم أميركي فاعل أو على الأقل اتخاذ موقف حيادي في ظل ضعف قدرة الرئيس الأميركي بارك أوباما على الضغط على إسرائيل، بقيت عملية السلام تراوح مكانها دون تحقيق أي تقدم يذكر.
تهويد القدس
وفيما الأنظار منشغلة بمتابعة نجاحات وتداعيات الربيع والشتاء الربيع، تواصل إسرائيل محاولاتها الحثيثة لتهويد القدس، في إطار سياسة ديموغرافية واضحة وثابتة، اعتمدت على طرد أكبر عدد من العرب الفلسطينيين من المدينة بذرائع مختلفة، وجذب أكبر عدد من المهاجرين اليهود، بهدف جعل الوجود الصهيوني أمرا واقعا.
بل إن حكومة الاحتلال لم يكتفِ عند هذا الحد، إذ أغلقت السلطات الإسرائيلية جسر باب المغاربة المؤدي للمسجد الاقصى في البلدة القديمة في القدس المحتلة، تمهيدا لعدوان عسكري محتمل على الأقصى، كما واصلت تطبيق قوانين عنصرية جائرة على أهالي القدس وأرضهم، ومنها توظيف قانون الغائب للسيطرة على أراضي المقدسيين المتواجدين خارج مدينة القدس، جنبا إلى جنب مع العمل على إفراغ المدينة من سكانها من خلال تطبيق قوانين سحب الهوية الإسرائيلية من المقدسيين الذين يقيمون لأكثر من عام خارج المدينة القدس.
كذلك، كثفت حكومة نتانياهو من مخططاتها لفرض الأمر الواقع التهويدي في القدس، ومنه مخطط للقيام بعمليات تجريف وتدمير لآلاف المنازل لكسر التجمع العربي في داخل الأحياء العربية بالمدينة مثل حي الشيخ جراح والعيزرية، ما يهدد نحو 35 ألف مقدسي بالطرد إلى خارج مدينتهم. فضلا عن استصدار قانون إسرائيلي يقضي بتهويد قطاع التعليم العربي في القدس.
