أكثر ما استوقف المراقبين، بخصوص الأزمة المتفجرة في العراق، كان طابعها الفاصل وتوقيتها، وتعامل إدارة الرئيس باراك أوباما معها.

صحيح كانت المطبات السياسية والأمنية متوقعة، في عراق ما بعد الانسحاب الأميركي. لكن ليس بهذه السرعة والحدّة، التي أخذت لون الاستبعاد والاستئثار الحاسمين. كما كان من اللافت وقوع الهزة، فور عودة رئيس الحكومة نوري المالكي من زيارته إلى واشنطن. كما ربطه البعض بفتور ردّ فعل الإدارة؛ الأقرب إلى التهوين من الأمر، رغم إجماع القراءات على تصنيفه في خانة المجازفة المفتوحة على محاذير ومخاطر من العيار الثقيل.

الخطوات ضد نائبي الرئاستين: طارق الهاشمي وصالح المطلك وضعها المراقبون في إطار الصراع السياسي الداخلي ـ الإقليمي، بصرف النظر عن مدى جدارة الاتهامات والمآخذ الموجهة لهذين المسؤولين. ظروف التحرك ولحظته، جعلتاه أقرب إلى محاولة تثبيت المواقع، بغرض التحكم في صياغة القرار. الفرصة مواتية والعجلة فرضتها حسابات آنية وبعيدة. وضعية تجمع بين الجنوح للتفرد وبين الحاجة إلى توفير متطلبات معادلة نفوذ وتقاسم جديدة، يجري طبخها للعراق؛ بالترابط، وربما بالمقايضة مع الصراعات المجاورة ومصيرها.

 

فتنة أهلية

وكان من الطبيعي أن يترافق مثل هذا التحليل وغيره، مع الحديث عن خطر انزلاق الوضع العراقي إلى «فتنة أهلية» تجرّ البلد إلى هاوية «التقسيم». الخلفيات والسوابق، استحضرت مثل هذه التوقعات. على الأقل جعلتها غير مستبعدة. لاسيما وأن هذه الاحتمالات وردت سيرتها، ولو على سبيل التحذير، على لسان قيادات عراقية ـ مثل مسؤول التيار الصدري بهاء الأعرجي، وأن محاولات جرت في محافظات عراقية لتعزيز حكمها الذاتي، في ضوء ما ورد في الدستور بشأن الخيار الفيدرالي.

وكثيراً ما لفتت وسائل الإعلام الأميركية إلى هذه الكوابيس، سواء من باب أن التطورات قد تصبح أسيرة دينامية التصعيد، المؤدي إلى هذه الطريق الوعرة. أو من باب خطأ الحسابات، الذي يخرج زمام الأمور من يد أصحابها.

إدارة أوباما تعاطت مع هذا التحول بوجهين. من ناحية، حرصت على التقليل من خطورته، من خلال تركيزها على جانبه القانوني بالحضّ على وجوب التزام التحقيق بالمعايير القانونية الدولية والمحلية. كما من خلال الإعراب عن الثقة بالقضاء العراقي؛ على ما كررته وزارة الخارجية. البيت الأبيض صدر عنه ردّ بهذا المعنى. وكذلك وزارة الدفاع (البنتاغون) التي رأت أنه «ليس هناك ما يدعو للقلق الزائد من احتمال انفجار التوتر بعنف واسع، أو من تعليق عمل الحكومة»

 

قلق أميركي

من ناحية ثانية، وفي ظلّ خطاب التهوين هذا، أوفدت الإدارة عدداً من كبار مسؤوليها المعنيين، تباعاً إلى بغداد. حضر مدير الـ «سي آي إيه»، الجنرال ديفيد بترايوس، ثم قائد القوات الأميركية السابق في العراق الجنرال رايموند أوديرنو، ثم رفعت العيار ودفعت بنائب الرئيس بايدن. قيل إنهم فاتحوا القيادات العراقية بوجوب حلّ الخلافات بينهم بالحوار، إذاً المشكلة ليست قانونية.

وإذا كانت كذلك، فماذا كانت مهمة هذا الحضور الأميركي العالي المستوى والسريع إلى بغداد؟ هل لإعادة مياه الائتلاف العراقي إلى مجاريها، أم لضبط الأزمة بأبعادها المحلية والخارجية، عند حدود سياسية مقبولة ومرغوبة.