لعل تسارع الأحداث في المشهد السياسي المصري على نحو يسبق القدرة على القراءة والتحليل؛ يجعل حسم السيناريو المستقبلي أمرا غاية في الصعوبة، وخاصة بعد سلسلة الاحتجاجات العنيفة والمتعاقبة التي شهدتها بدءًا من أحداث السفارة الإسرائيلية، مرورًا بأحداث محمد محمود، وأخيرًا الأحداث الراهنة بمجلس الوزراء من قبل «فاعلين جدد» من الثوار والذين أصبحوا في حالة تمرد دائم ضد سلطة المجلس العسكري وسياساته.

والثوار الجدد، على حد وصف بعض المراقبين، هم خليط ربما يكون غير متجانس من أسر الشهداء والمصابين وبعض الحركات والائتلافات الثورية، لكنهم لا يشبهون الثوار الأوائل في 25 يناير، فهم أكثر غضبًا، ويرون أن ترك الميدان بعد تنحي مبارك في فبراير الماضي وتسليم السلطة للمجلس عسكري لإدارة المرحلة الانتقالية كان خطأ فادحًا.

وتبقى الاحتكاكات والعنف السبيل الوحيد أمامهم لإجبار العسكر على الرحيل وترك السلطة، وهؤلاء الثوار الجدد اصطلح العديد من المراقبين والمحللين على تعريفهم بـ«الموجة الثانية» من الثورة الرافضة لكل المقترحات المقدمة من قبل بعض الدوائر السياسية «للخروج الآمن للعسكري»، سواء بتسليم السلطة لرئيس مجلس الشعب القادم أو تأجيل انتخابات الشورى والإسراع بإجراء انتخابات رئاسية.

إلا أن «الثوار الجدد» يرون أن تلك المقترحات أو حتى خروج العسكري في يونيو المقبل، كما هو مقرر، لن ينهي هيمنة الجنرالات على الحكم وعلى الجمهورية الجديدة، وإن التفويض الشعبي لن يكون كافيًّا لدعم رئيس مصر القادم، بل الأمر يحتاج إلى دعم النخبة العسكرية أيضًا.

أما عن «جنرالات مصر»، فالوضع أكثر حيرة وأشد تعقيدًا، وخاصة بعد مقابلة المتظاهرين الجدد بعنف مضاعف وصل إلى حد سحل المتظاهرين من الرجال والنساء والذين من جانبهم لا يتورعون عن الاشتباك مع قوات الشرطة العسكرية، حتى مع انتقادات «الأغلبية الصامتة» لاستمرار الاحتجاجات والتي تراها أنها تزعزع الاستقرار وتضر بعجلة الإنتاج والاقتصاد المصري وتفضل التركيز على عملية بناء المؤسسات.

وربما يختلف المراقبون في تفسير موقف الجيش في رغبته في البقاء بالحكم، وعدم تسليم السلطة لمدنيين، أو رحيله مع الاحتفاظ بامتيازات اقتصادية واستقلالية وإدارته وحكمه الذاتي. إلا أن المؤكد على أرض الواقع أن العسكريين لديهم دوافعهم لمقاومة تلك الاحتجاجات ولو باستخدام «القوة القاتلة»، والتي روعت الكثير من المصريين، والذين منهم أيضًا من يعتبر أن الجيش مؤسسة فوق اللوم وما زال يكن له مكانة لمساندة الثورة في أيامها الأولى وتحية الشهداء الشهيرة من قادته.

هذا التباين في المواقف يطرح تساؤلاً هاما حول الاحتجاجات العنيفة الأخيرة، ومدى فاعليتها في إطالة أمد وهيمنة الجيش. وهنا يقول وكيل مؤسسي حزب التحالف الشعبي الاشتراكي المصري عبد الغفار شكر في تصريحات إلى «البيان» إنه بالفعل إذا استمر خروج تلك الاحتجاجات عن السيطرة ستشكل عامل ضغط لإجهاضها، وكسب العسكري نقاطًا جديدة لدى الرأي العام على الثوار.