«المرأة المصرية.. خط أحمر».. هكذا كان الشعار الذي رفعته نساء مصر في ميدان التحرير قبل فترة قصيرة، اعتراضاً منهن على العنف الذي تعرضن له من قبل قوات الأمن في أحداث مجلس الوزراء الأخيرة. لكن المتأمل للمشهد المصري بعد مرور نحو عام على ثورة 25 يناير، يلحظ أن ثورة نساء مصر وغضبهن لم يكونا لضرب فتاة أو سحلها، فهذا هو السبب المعلن، بينما السبب الرئيسي هو الاعتراض من قبلهن على محاولات التلاشي والتهميش والتقليص التي يتعرضن لها بعد الثورة، سواء من قبل الأحزاب أو الثوار، أو المسؤولين الرسميين، لدرجة بات يتم استبعاد المرأة من بعض المواقع المهمة يوماً بعد آخر، أو بمعنى آخر استبعادها من أماكن صنع القرار.
حضور قوي
ويمكن النظر إلى ما تشعر به المرأة المصرية من مرارة ومعاناة في الوقت الراهن، في ضوء الدور الذي قامت به في ثورة 25 يناير، حيث كانت منذ اللحظة الأولى متصدرة الصفوف الأمامية، جنباً إلى جنب مع الرجال، مفترشة الأرض، حاضرة بشكل قوي ومتنوع ما بين مسعفة ومقدمة للمساعدات، ومعتصمة تواجه نفس العنف والبلطجة والقنابل المسيلة، ونالت شرف الشهادة، فيما كانت هناك وجوه بارزة في الميدان كأسماء محفوظ وإسراء عبد الفتاح ونوارة نجم وأخريات.
وإذا كان هذا الدور الذي قامت به المرأة المصرية موضع ترحيب من الجميع أثناء الثورة وبعدها بأشهر قليلة، إلا أنه خلال الفترة الأخيرة، تحول هذا الدور لموضع شجب وإدانة، وربما تهكم في بعض الأحيان من قبل الرافضين لمشاركتها وتواجدها على الساحة السياسية، وخاصة الإسلاميين الذين اقتربوا من السيطرة على مقاليد الحكم في مصر، حيث ترى هذه التيارات أن المرأة مكانها البيت ورعاية أولادها، وليس لها مكان أو دور مجتمعي وسياسي خلال الفترة القادمة، وهي نفس وجهة النظر التي بدأ يتبناها قطاع آخر في الشارع، يعتبر خروج الفتيات من بيوتهن للتظاهر نوعاً من الخروج على الآداب المجتمعية.
عنف وتحجيم
وليس هذا نهاية المطاف، فقبل كل ذلك، كان للمرأة المصرية نصيب الأسد والحظ الأكبر من الاعتداء والعنف، نتيجة حالة الانفلات الأمني التي شهدتها البلاد بعد الثورة، فقد أشارت بعض التقارير إلى أنه خلال الأشهر الستة الماضية تم رصد 94 حالة عنف ضد المرأة، منها 51 حالة قتل و11 حالة اغتصاب و15 حالة اختطاف و5 حالات انتحار.
وانطلاقاً من ذلك، يتزايد غضب الناشطات الحقوقيات والسياسيات تجاه ما تتعرض له المرأة في مصر، ومن بين هؤلاء الناشطات عضو الهيئة العليا لحزب الوفد كامليا شكري، والناشطة الحقوقية نهاد أبو القمصان، حيث أكدتا على أن حالة الاستقطاب السياسي الشديد التي تسود المشهد المصري بعد الثورة أسهمت في تحجيم قدرة المرأة على المشاركة السياسية وتهميش دورها.
وتبدي الناشطات استياءهن مما تواجهه المرأة المصرية هذه الأيام، بدءاً من ترويج شائعات عن ممارسات لا أخلافية بميدان التحرير، ومروراً بمشكلة «كشف عذرية المتظاهرات»، وختاماً بالسحل والضرب المبرح أثناء مشاركتهن في التظاهرات.
وقبل كل هذا اقصاؤها من برلمان الثورة، بعد أن وقفت في الطوابير الانتخابية في مشهد حضاري علّقت عليه جميع وكالات الأنباء العالمية والمراقبون باهتمام بالغ.
ردة إلى الوراء
وفي غضب شديد تقول ميار حسن، (طالبة جامعية)، إن الدعوات المجتمعية المتزايدة التي تناهض خروج المرأة للتظاهر، وأن تقر في بيتها كما يطالبها البعض من التيارات الإسلامية تعني ردة إلى الوراء.
فيما ترى هبة عادل، (طبيبة)، أن المرأة دفعت ثمناً باهظاً في الثورة وبعدها، خاصة مع الدعوات بإلغاء قوانين الأحوال الشخصية لمجرد أنها قوانين صدرت في العهد السابق.
وتؤكد هبة أن تهميش المرأة وعدم احترام حقوقها كان قبل الثورة أيضاً، من خلال التوسع في إنشاء المجالس الخاصة بها، والتي لم تخرج عن مجرد دعاية و«شو» إعلامي لجلسات «الهوانم» من صاحبات المال والنفوذ ليس أكثر.
بدورها تؤكد الإعلامية هيام دربك أن المرأة المصرية على مر العصور، بدءاً من ثورة 1919 وحتى ثورة 25 يناير، أثبتت أنها قادرة على تحمل جميع الصعاب، بل وتقلد المناصب المهمة، بشكل يفوق الرجل في مجالات عديدة. وأشارت دربك أن المرأة المصرية كانت تأمل في تغير النظرة المجتمعية لها بعد الثورة، من حيث الحقوق والواجبات، لكنها وجدت نفسها تتراجع وكأنها مواطنة من الدرجة الثانية، كما ينظر إليها بعض الإسلاميين المتشددين.
حق حائر
هذا ويبقى حق المرأة المصرية بعد الثورة حائراً، فإذا تظاهرت يتم سحلها ويتم توجيه اللوم لها لخروجها، وإذا مارست السياسة من خلال الصندوق الانتخابي يتم إقصاؤها ووضعها في ذيول القوائم الحزبية، أما إذا قرّت في بيتها استجابة لدعوات البعض عانت من الانفلات الأمني وانتهكت بالاعتداء أو القتل أو الخطف