لم ينفك القوميون واليساريون يعيّرون الإسلاميين أنهم نصروا النظام الأردني في حقبة الأحكام العرفية التي أعلن عنها بُعيد تشكيل أول حكومة برلمانية في تاريخ الأردن العام 1956، والوحيدة حتى الآن، التي قادها رئيس الحزب الوطني الاشتراكي اليساري سليمان النابلسي.
وبالنسبة إلى الناشط اليساري محمد أبو عريضة فإن التناقض بين الإسلاميين من جهة، واليساريين والقوميين من جهة أخرى عاد من جديد كما كانت عليه الأمور تاريخياً. ويقول أبو عريضة لـ«البيان» انه بعد شهر العسل الطويل الذي دام عقدين من الزمن «إثر اجتماع عدة أسباب من أهمها انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكيك منظومته السياسية، ثم دخول الإسلاميين في تناقضات كانت في بعض الأحيان دموية مع أنظمة الحكم العربية»، ومنها الأردن، شعر الطرفان بضرورة التحالف فيما بينها للمحافظة على بقائهما في الساحة أولاً، وحماية بعضهما البعض ثانياً. ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر وانطلاق عهد الحرب الأميركية على الإرهاب لتشكل علامة فارقة في اقتراب الإسلام السياسي أكثر من ذي قبل من حليفه قريب العهد اليساريين والقوميين.
ويؤكد أبو عريضة ان مبررات التقارب بين الإسلاميين من جهة، والقوميين واليساريين من جهة أخرى لم تعد قائمة أساساً، خاصة بعد احتدام النزاع حول ما يحدث في سوريا هل هي ثورة أم مؤامرة.
حليف يخوّن
والتناقض في هذا التفسير أخذ بعداً حاداً، حيث خوّن الحليف فيه الحليف الآخر. وأوضح أبو عريضة ان «طيفاً واسعاً من القوميين واليساريين يعتقد ان ما يحدث في سوريا مؤامرة بل وإن أحد أدواتها المهمة تيار الإسلام السياسي وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين وتحالفاتهم الإسلامية والاجتماعية والسياسية، فيما ترى جماعة الإخوان المسلمين خاصة والإسلاميون عامة ان ما يحدث ثورة حقيقية ضد النظام السوري».
فالتناقض ظهر بشكله الخافت خلال إسقاط نظام العقيد معمر القذافي فلم يتوان القوميون واليساريون عن الإفصاح عن التعاطف معه، ولكن الصوت ارتفع أكثر، عقب اندلاع الثورة السورية. ولا يتوقع أبو عريضة أن تعود مياه التحالف إلى مجاريها بل هي تتقدم نحو مزيد من التعقيد والتناقض. ويستشهد بشأن ذلك بالشارع الأردني، فهو اليوم شارع منقسم على نفسه، بين هؤلاء وهؤلاء وكما يشتهي الحكم وحلفاءه.
أولويات وخلافات
وبينما ينشغل اليسار والقوميون اليوم بفعاليات تدافع عن النظام السوري في وجه «المؤامرة» ينشغل خصمهم الإسلامي بفعاليات مطالبات الإصلاح والدفاع عن الثورة السورية معاً.
«الحراك الشعبي الذي كان قد اتسم خلال الشهور الماضية في الشارع الأردني بالوحدة جنباً إلى جنب بين الإسلامي مع اليساري والقومي لم يعد موجوداً، ويبدو انه ذهب إلى غير رجعة»، على حد قول الناشط اليساري الذي اعتبر أيضاً ان الانقسام «سيدوم على الأقل عقداً وربما عقدين وسيتكرس باستمرار».
والسؤال الذي يبدو ان على البعض طرحه فكرياً على الأقل هو: لماذا يصطف القومي مع اليساري في تناقضه بمواجهة الإسلامي؟ ان ما يجب ان تكون عليه الأمور التقاء الإسلامي مع القومي في سلة واحدة كون الاثنين أقرب لبعضهما البعض من اليساري.
طيف وعشائر
أردنياً على الأقل تظهر الإجابة واضحة في ان معظم القوميين الأردنيين هم من القوميين الاشتراكيين أو الماركسيين، وهناك طيف آخر من القوميين الاجتماعيين والشوفينيين. وهؤلاء لا تعوزهم أسباب التناقض مع الفكر الإسلامي.
ولكن ما قصة العشائر والإسلاميين؟ في الوقت الذي نجحت فيه القومية واليسارية في النصف الآخر من القرن الماضي من امتلاك مفاتيح عدد واسع من أبناء العشائر، وخاصة في الكرك، عجزت هذه القومية واليسارية من الإبقاء على مخزونها الشعبي هذا حتى اليوم. وهو مخزون أخذ الإسلاميون بالتودد له وكسب مزيد من الأنصار إليه يوماً بعد يوم حتى صار لهم كلمة فيه. لواء ذيبان يحتوي على الكثير مما يمكن ان يقال في هذا الصدد. ونحن هنا لا نتحدث عن مناخ إسلامي تعبر جماعة الأخوان المسلمين عن كلمتهم القوية فيه.. بل هناك الكثير من التيارات الإسلامية التي نجحت في اختراق الشارع العشائري الأردني وعلى رأسها السلفية بكافة تياراتها.
ملف وتحالفات
ولكن هذا لا يعني ان ملف العشائر الأردني محسوم لصالح الإسلاميين، فهناك القوى العشائرية التي تتحالف مع الإسلاميين ومنهم الإخوان هي في شق منها تتحالف مع بعدها العشائري أكثر من تحالفها مع اقترابها من التيار الإسلامي. فالقيادي الإسلامي سالم الفلاحات على سبيل المثال ينجح على الدوام في التحالف مع شخصيات عشائرية من مدينة مادبا، وهكذا الحال في محافظة المفرق حيث خزان الكثير من القياديات الإسلاميين وعلى رأسهم زكي بني ارشيد، وهكذا.
إن أولى تداعيات الربيع العربي ليس إسقاط رؤوس أنظمة عربية فحسب، بل أكثر من ذلك شق ثوب التحالف الهش الذي ارتداه الإسلاميون والقوميون واليساريون عقدين كاملين.

