يرى الكثير من السياسيين والمحللين المصريين أن جولة العنف التي وقعت أخيراً بين المتظاهرين وقوات الجيش في محيط مجلس الوزراء المصري، وأسفرت عن سقوط قتلى ومئات الجرحى، تعكس حالة شديدة التوتر يعيشها المجلس العسكري الذي يدير شؤون البلاد مع اقتراب موعد تسليمه السلطة الى المدنيين، ومحاولاته المستمرة للبحث عن «خروج آمن» يؤمن له الحفاظ على مكتسباته السياسية والاقتصادية التي حصل عليها منذ ثورة 1952.
وفكرة «الخروج الآمن» ليست جديدة على مفردات المشهد السياسي المصري، إذ أن الكاتب الصحافي والاعلامي المعروف عماد الدين أديب سبق وان طرحها قبل ثورة 25 يناير من أجل توفير مناخ ملائم يسمح للرئيس السابق حسني مبارك مغادرة الحكم من دون أدنى خوف من الملاحقة القانونية، لكن الفكرة التي رفضت وقتها من التيارات السياسية المعارضة، وكذلك من دوائر صنع القرار في عهد مبارك، ثبت أنها كانت تستطيع أن تكون بمثابة الحل الأمثل لمعضلة بقاء الرئيس في مقعد الحكم نحو30 عاما وتجنب حدوث الثورة ضده ، وكذلك تداعياتها التي تنعكس الان على حياة المواطن المصري العادي.
مخاوف حقيقية
ويبدو أن المجلس العسكري الحاكم منذ تسعة شهور فقط يطارد هذا «الحل الآمن» بعد ان تعثر في إدارة المرحلة الانتقالية، وتسبب في كثير من الازمات التي وضعت أمن واستقرار المجتمع على المحك.
وطبقا لتصريح نائب رئيس حزب الوسط المصري عصام سلطان، فإن «المجلس العسكري يشعر بالقلق الحقيقي من قضيتين اساسيتين: الأولى هي الخوف من الملاحقة القضائية والقانونية، بعد خروجه من الحكم، لاسيما وأن أطرافا سياسية مصرية أبلغت العديد من أعضائه بهذا التوجه المستقبلي، وهو ما تسبب في حالة التوتر التي تزداد عنفا يوما بعد يوم ضد المتظاهرين وكان آخرها المواجهات الدامية في محيط مجلس الوزراء».
ويتابع سلطان ان «القضية الثانية التي تقلق المجلس العسكري، هي كيفية وطبيعة تعامل النظام المدني المقبل مع المشاريع الاقتصادية التي يديرها الجيش والمقدرة بنحو 47 مليار جنيه مصري»، مشيراً إلى أن «هاتين القضيتين ينبغي على النخبة والتيارات والقوى السياسية المصرية مناقشتهما بشفافية مطلقة واعطاء ضمانات قوية للجيش حتى لا يزداد التوتر والعنف على الارض».
الملاحقة القانونية
كلام سلطان يبدو صحيحا إلى حد كبير، لاسيما وأن المجلس العسكري كان المحرك الرئيسي لوثيقة المبادئ الدستورية المعروفة باسم وثيقة السلمي، نسبة إلى رئيس الوزراء السابق علي السلمي، والتي كانت تنص على أن المجلس العسكري وحده فقط مسؤولا عن أمور الجيش وكذلك ميزانيته، لكن القوى المصرية رفضتها، ما دفع رئيس المجلس العسكري محمد حسن طنطاوي إلى التأكيد قبل أسابيع قليلة مضت، أن «وضع الجيش في الدستور المقبل لن يتغير عن وضعه سابقا».
كذلك ما يجعل حديث سلطان صحيحاً، هو أن الكثير من الكتاب القريبين من شباب الثورة ورموزها السياسية ومنهم الصحافي ابراهيم عيسى، تحدثوا صراحة عن ضرورة محاكمة قادة المجلس العسكري وملاحقتهم قانونيا على القتلى الذين سقطوا خلال الشهور الماضية، سواء في ازمة ماسبيرو أو التحرير واخيرا احداث مجلس الوزراء، وإلا «لماذا يحاكم حسني مبارك بتهمة قتل المتظاهرين؟».
لكن هل القوى السياسية التي ستتسلم مقاليد السلطة قريبا ، وبالتحديد القوى الاسلامية ستمنح «خروجا آمنا» للمجلس العسكري؟. أغلب الظن ان هذا الأمر سيحدث وفق «صفقة» شاملة أبرز عناصرها عدم تدخل الجيش في صياغة الدستور الجديد وتشكيل الحكومة المقبلة، مقابل منحه «الخروج الآمن» وعدم الاقتراب من مكاسبه ومشروعاته الاقتصادية.