سحبت واشنطن آخر ما تبقى من قواتها في العراق، وهم يتركون وراءهم دولة تعاني من انقسامات طائفية وعرقية لا تزال تسعى جاهدة لاحتواء تمرد وارتباك سياسي بعد الصراع الطائفي الذي دفع البلاد إلى شفا حرب أهلية عامي 2006 و2007 .

وليس هناك من مكان يدلل على تشرذم العراق أفضل من بغداد العاصمة التي بناها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور عام 762 ميلادية على نهر دجلة، وكانت مركزاً للعالم الإسلامي لفترة طويلة.

ويتهم كثيرون الغزو الأميركي مباشرة بإثارة الانقسامات الطائفية، بحيث انه رغم مرور قرابة 9 سنوات من الاحتلال، إلا أن العراق لا يزال هشاً وقابلاً للانفجار في أية لحظة. وقال أبوعصام وهو يعبر الجسر: «لم يكن هناك سنة أو شيعة قبل الأميركيين. لم تكن هناك طائفية. أنا شيعي وابناي متزوجان من امرأتين سنيتين».

ويقول الكثير من العراقيين إنهم كانوا يعتقدون بأن الغزو الأميركي سيحقق لهم الديمقراطية والرخاء بعد سنوات من الحرب والعقوبات الاقتصادية والقمع على يد أجهزة الأمن في عهد الرئيس العراقي الراحل. ويشعر كثيرون الآن بالخيانة. فلقد تركت القوافل الأميركية وأفراد الميليشيات الملثمون الذين كانوا يسيطرون على أحياء بالكامل منذ خمس سنوات شوارع المدينة. لكن التفجيرات وعمليات القتل ظلت ملمحاً من الحياة اليومية. ويغلف المدينة في كثير من الأحيان التراب والدخان، كما أن مبانيها متداعية وتتناثر فيها القمامة.. فيما لا تزال الحواجز الخرسانية والأسلاك الشائكة المنصوبة لحماية المباني من التفجيرات تغطي وجه العاصمة.

ويشعر العراقيون بالقلق بسبب البطالة وانعدام الاستقرار الأمني، وفي ظل كل هذا يعانون من نقص حاد في المياه ولا يتمتعون بالتيار الكهربائي سوى لبضع ساعات في اليوم ما لم يكونوا يملكون مولدات خاصة بهم. وقال عباس جابر وهو موظف حكومي: يخشى العراقيون من تدخل جيرانهم في المنطقة في شؤون بلادهم بعد انسحاب الولايات المتحدة.

ومن مدينة البصرة في الجنوب، وعبر الرمادي في الغرب، وحتى مدينة أربيل في الشمال، يتفق العراقيون فيما يبدو على أمر واحد.. إنهم يريدون أن يخرج الأميركيون، لكن ما يقلقهم هو التوقيت.

وقال مهدي وهو موظف حكومي في البصرة: «نعم، نريد أن يرحل الاحتلال، لكن هذا الوقت غير مناسب لرحيلهم». وأضاف أن «الأميركيين سيخرجون من هنا وسيبدأ كل من سواهم في الدخول إلى هنا من أماكن أخرى».