وجد رئيس الوزراء المصري كمال الجنزوري نفسه، في موقف مشابه تماماً لما كان عليه حال سلفه عصام شرف، عندما تعثرت قدما الأخير في كثير من الأوقات في بركة من الدماء الناتجة عن المواجهات التي تشتعل فجأة بين المتظاهرين وقوات الأمن والجيش، وهو ما فتح عليه نيران النقد والغضب من جانب معظم التيارات السياسية وقوى الثورة التي لم ولن ترضى عن إزهاق أرواح المصريين على أيدي الأمن مرة ثانية بعد الثورة.
لكن ما يجعل الجنزوري في موقف أكثر صعوبة عن سلفه، هو انه جاء إلى الحكم بـ«صلاحيات رئيس جمهورية»، وان هذه الصلاحيات دفعته إلى التعهد قبل أيام قليلة، بعدم استخدام القوة لفض اعتصام المتظاهرين بجوار مجلس الوزراء في شارع قصر العيني المؤدي إلى ميدان التحرير وسط القاهرة.
مستنقع الفوضى
هذا التعهد لم يصمد طويلاً على أرض الواقع، حيث سقط قتلى ومئات الجرحى في مواجهات عنيفة بين الشرطة العسكرية ومعتصمي مجلس الوزراء، تلاها عمليات حرق وتخريب للكثير من المنشآت العامة، ما وضع الجنزوري أمام فاتورة دم جديدة، كان عليه ان يبررها للرأي العام، حتى يمكن فهم ما يدور على المشهد السياسي للبلاد، وطبيعة القوى التي تريد لمصر الاستمرار في مستنقع الفوضى الذي يلتهم أي أمل في دفع عجلة الاقتصاد الوطني المتوقفة منذ مدة طويلة.
لكن الشرح والتبرير الذي قدمه الجنزوري، لم يشف غليل المتطلعين لمعرفة أسباب ما حدث، ولم يتجاوز ما كان يقوله عصام شرف عندما وقعت أحداث ماسبيرو أو التحرير الأخيرة، حيث تحدث عن ان الشرطة العسكرية لم تطلق الرصاص، رغم ان جميع القتلى سقطوا برصاص في الرأس والصدر، وهو أمر أصبح يثير الشكوك في مصداقية المتربعين على السلطة في مصر الآن.
كذلك حاول الجنزوري القول ان القتلى والمصابين، ليس من شباب الثورة «الطاهر النقي» وفق تعبيره، وإنما تحدث بشكل غير مباشر عن انهم من القوى المضادة للثورة، وهو يعيد إنتاج نفس التعابير والمصطلحات التي كان يرددها شرف والقيادات العسكرية في السابق، والتي لم تجد نفعاً في تهدئة التوتر المتزايد بين قوى الثورة من جانب والمجلس العسكري والحكومة من جانب آخر.
انعكاسات قوية
ومما لا شك فيه ان فاتورة الدم الأخيرة، التي دفعت قرب مجلس الوزراء المصري، سيكون لها انعكاسات قوية على حكومة الجنزوري التي تسلمت المسؤولية منذ أيام قليلة مضت، إذ أنها ستضعها بشكل أساسي في مواجهة قوى الرفض الثوري، وستعمق من حدة الخلافات بينهما، وربما سيكون ميدان التحرير بتظاهرات المليونية المطالبة برحيلها هو التوجه في الفترة المقبلة.
ليس هذا فقط، بل ان الجنزوري والذي سارع منذ قدومه إلى إعادة رجال الأمن إلى الشارع، في مشهد لقى ترحيباً من جميع المصريين، سيجد نفسه مرة أخرى يحاول إقناع جهاز الأمن بالنزول مجدداً، لا سيما وان الاحتقان والغضب من تصرفاته ضد المتظاهرين والمعتصمين، عاد أكثر من السابق بعد سقوط قتلى بجوار مجلس الوزراء.
أما الجانب الأهم والذي سيربك حسابات الجنزوري، بعد حادثة مجلس الوزراء، هو انه لن يستطيع دفع عجلة الإنتاج، والحصول على استثمارات خارجية، نظراً إلى هذا المناخ غير الملائم للتنمية الذي تشهده مصر، ما سيؤدي إلى مزيد من الخسائر للاقتصاد المترنح أصلاً، وهو ما سيجعل استمراره على رأس هرم المسؤولية محل شك.