أثارت مغادرة القوات الأميركية للعراق، التي أشرفت على نهاياتها، مزيجاً من الارتياح والارتياب والنقمة في واشنطن، الرأي العام الأميركي الذي اكتوى بنزيف هذه الحرب المفتعلة، تنفس الصعداء، 77 في المئة مع الخروج، إدارة الرئيس اوباما، هلّلت للحدث كأحد إنجازاتها، وربما لتوظيفه في الحملة الانتخابية، أما طوفان ردود وقراءات المحللين والباحثين والمعلقين، طغت عليه الشكوك وعلامات الاستفهام ورسم لوحة غير وردية، خلافاً للصورة التي رسمتها الإدارة؛ عن المرحلة اللاحقة، ومنها من حمّل البيت الأبيض مسؤولية الرحيل بالطريقة التي جرت، أو اتهمه بالهروب لحسابات معظمها انتخابية.
الأسئلة الأميركية المجمّدة بحكم الانشغال بملفات أخرى وبالحملة الانتخابية، حول عراق ما بعد الانسحاب؛ تجدّدت في الأيام الأخيرة واحتلت واجهة المداولات، بحكم اقتراب الرحيل من ساعاته الأخيرة؛ كما بمناسبة زيارة رئيس الحكومة نوري المالكي لواشنطن، وقد تراوحت بين الوضع الأمني في عراق اليوم التالي وبين طبيعة العلاقات الجديدة بين البلدين، مروراً بمستقبل الوضع السياسي وعلاقات القوى العراقية مع بعضها وانتهاء بملفين بالغي الحساسية والأهمية: جيش الخبراء ورجال الأمن الخاص والمدربين الذين يربو عددهم مع الدبلوماسيين على 17 ألف عنصر باقون في العراق بعد 30 الجاري؛ وموضوع النفوذ الإيراني واحتمالات تمدّده في الزمن العراقي الجديد.
خلافات أساسية عالقة
التوقعات حول مدى استتباب الحالة الأمنية، بعد انتقال المسؤوليات إلى الدوائر العراقية المعنية؛ مرتبكة، في معظمها تميل إلى الترقب والحذر، وبعضها إلى التخوف، من باب أن المسائل الخلافية الأساسية بين الجهات العراقية ما زالت باقية على حالها، كما من باب أن القدرات الأمنية المحلية، قد تكون غير جاهزة بعد لمواجهة تحركات نوعية تهدّد الهدوء النسبي السائد، لاسيما وأن « البلد يضجّ بالسلاح »؛ وأن كبار العسكريين الأميركيين في العراق سبق وحذروا قبل عدة أشهر، من مخاطر ترك الساحة العراقية مرة واحدة، جهات كثيرة تضع الملامة مسبقاً على أوباما الذي أسقط هذا الخيار«ليظهر كمن أوفى بوعده وأنهى حرب بوش قبل نهاية العام»، كورقة انتخابية، بقايا المحافظين الجدد شنّوا شبه حملة ناقمة على الرئيس، بزعم أنه ترك العراق من دون أي شيء بعد كل التضحيات التي تكبّدتها أميركا ! وكأن غيرهم وليسوا هم، من افتعل الحرب وتسبب بمصائبها، نائب الرئيس السابق ريتشارد تشيني كاد أن يؤنب أوباما على الانسحاب «من غير أن يترك قوة من 15 إلى 20 ألف جندي في العراق».
وثمة من عمل مناحة على الانسحاب بهذا الشكل « لأنه كان المفروض أن نأخذ نفط العراق»، يقول الملياردير المعروف دونالد ترامب، هكذا بكل بساطة، عقلية قرون وسطى نامية هذه الأيام في الساحة الأميركية، يرى أصحابها أن القوة المتفوقة، هي مفتاح أزمة الوضع الأميركي الراهنة، والمعروف أن ترامب ناشط في دعم صقور اليمين من مرشحي الرئاسة.
وخلال زيارته قبل أيام لواشنطن، حرص رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على التركيز على العلاقات الاقتصادية التجارية بين البلدين، خطابه في غرفة التجارة والصناعة الأميركية، لاقى الترحيب لدى سائر الدوائر المعنية، على خلاف مواقعها السياسية؛ لما أبداه من انفتاح وترحيب وتحفيز، تجاه الشركات الأميركية من كافة القطاعات التي تنظر إلى العراق كساحة مرشحة لتشهد حركة تنموية بوتائر قد « تتخطى تلك التي تسجلها الصين ».
قلق من البيئة الأمنية
لكن ذلك مرهون بمستقبل الوضع السياسي العراقي وعلاقات القوى مع بعضها، «فهذا ما يدعو إلى القلق أكثر من البيئة الأمنية وهشاشتها»، يقول خبير قسم السياسة الخارجية والدفاعية في مؤسسة بروكنغز للدراسات بواشنطن مايكل أوهانلن ، في إجابته عن سؤال « البيان »، فقضايا المشاركة في السلطة والانقسامات الداخلية وتحديد مستقبل العراق، التي ما زالت عالقة هي مدعاة التخوف، كما قال، لكن المراهنة أنه لا خيار أمام المختلفين غير البحث عن القواسم المشتركة، «ما لم يتعثر مثل هذا التوجه بسبب تدخلات الخارج»، التي يستبعد عدد ملحوظ من المراقبين انصياع العراقيين المتعلقين بوطنيتهم إلى مثل هذه التدخلات.
وبنفس القدر وأكثر من الاهتمام، صوّب شطر كبير من المداولات على موضوع «النفوذ الإيراني» بعد رحيل الأميركيين والمرشح وفق كافة التقديرات للمزيد من التوسع في الساحة العراقية، لكن يلاحظ في هذا الصدد أن هناك تسليماً ضمنياً بما يسميه البعض مصالح إيرانية بحكم الجوار والحدود، في العراق، هناك من يبالغ في هذا النفوذ وبلغة لا تخلو من التحريض. وهناك من يرى أنه لن يتجاوز حدود المعادلات القائمة على الأرض، « فلا مسوّغ لإيران كي تتحدى واشنطن في العراق»، على ما يرى الخبير اوهانلن، خاصة في خلق المشكلات مع الكتلة الأميركية الكبيرة الباقية هناك.
جدل حول حجم التواجد
أثار حجم التواجد غير الاعتيادي، التساؤلات حول مهمة أفراده؛ خاصة في الجانب الأمني منها، وإن كان لا صفة رسمية لمعظمهم. فهل هو صيغة ملطّفة لحضور عسكري رادع ومموّه، اجتناباً لإثارة الحساسيات والذرائع ؟ أم أنه ضمانة للحفاظ على توازن سياسي داخلي ترغب أميركا في استمراره؛ لأنه متصل بمعادلات أكبر في المنطقة ؟
في أية حال، الواضح أن حرب بوش على العراق انطوت صفحتها وقد حلّ مكانها حضور أمني أميركي وازن. وبصرف النظر عن الخطط والنفوذ والطموحات، الأميركية والإقليمية، الكرة صارت في الملعب العراقي. استعداد العراقيين لإيجاد أرضية مشتركة لبناء عراق موحّد ومتنوع، هو الضمانة الحقيقية لختم ملف الحرب بالشمع الأحمر. غيابه لن يكون غير وصفة لاستئنافها، بصورة أو بأخرى عاجلاً أم آجلاً. دروس هذه الحرب كثيرة. لقد علّمتنا أن لا نذهب إلى القتال وحدنا، «أي أن لا نركب رأسنا». علّ درسها للعراق يكون أن يعود لوحده إلى ذاته.