صفعة، فغضب، فنار، فحريق، فثورة..

ثورة توهّجت شرارتها من جسد محمد البوعزيزي، فوصل شررها إلى بلدان عدة حاملة معها الربيع العربي.. فكان المد إلى تونس، ثم اليمن، ثم ليبيا، فسوريا.

تغنى التوانسة ببيت الشعر: «إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر»، فاستجاب القدر هروباً للرئيس صاحب القبضة الحديدية، وتغييراً كان نموذجاً في سلميته، وإن حاول البعض في البداية الاستفادة من حالة الفراغ الأمني السياسي، وهو ما لم يسمح التونسيون بتحوّله ظاهرة تشوّه إنجازهم.

سنة تمر، والتونسيون يسطّرون ملحمة «ياسمين» تغيير معتدل كان قادراً على تجاوز المرحلة الصعبة وتحقيق البناء الديمقراطي بلا عنف.. بعد شهور تسعة من المرحلة الانتقالية التي قاد فيها الرئيس فؤاد المبزّع ورئيس وزرائه الباجي قايد السبسي البلاد نحو بر الديمقراطية، بأمان وتؤدة.. وصولاً إلى انتخابات المجلس التأسيسي واختيار رئيس غيور على بلده.

والآن، بعدما ترتّب البيت أصبح لزاماً على التونسيين استعادة الزمن الضائع الذي اختطفته المنظومة الأمنية البوليسية بلا تعصّب أو مغالاة سواء في الفعل أو رد الفعل.. لأن الشعب الذي أراد الحياة كان قدره ان يعطي الحياة لآخرين في غير قارة، وإن دفع بعض العرب ثمن الحرية دماً.

28 يوماً (من 17 ديسمبر 2010 يوم حرق محمّد البوعزيزي نفسه في ثورة غضب على صفعة من ضابطة رقابة بلدية وحتى ليل 14 يناير 2011 عندما ركب الرئيس السابق زين العابدين بن علي الطائرة محلقاً شرقاً) كانت كفيلة بكتابة تاريخ عربي جديد، كتب التوانسة فيه الفصل الأول بعفوية ملهمة ضد الاستبداد والفساد والقمع.

إن الخصوصية التونسية في ثورتهم، التي أطلق عليها الإعلام لقب «ثورة الياسمين» تتمثّل في مدى تناسق الهبّة الشعبية التي تفجّرت في وقت واحد وزمن واحد وبتنسيق نادر كان أحد أبطاله مواقع التواصل الاجتماعي، التي مثّلت غرفة التحكم.. وهو تمازج مع إرادة جمعية على حماية البلاد والأرواح وخشية على منع انهيار الدولة التي تمضي الآن نحو تأسيس عهد جديد بدستور جديد، وبشراكة سياسية دون إقصاء أو تغييب نبض الشعب.

ومع دخول تونس عهد الجمهورية الثالثة، والتوانسة عهد جمهورية الحرية والتعددية، يبقى الشعب التونسي هو الضامن الأوحد للديمقراطية والحرية التي يستحقها.

وأخيراً، مع حلول العام الأول، يسجّل للتوانسة أنهم كانوا أول من سطّر سطور كتاب نهضة عربية ترفض أن تعود عقارب الزمن إلى الوراء.