يأتي انتخاب د. محمد المنصف المرزوقي رئيساً تعبيراً عن حجم التحول العميق الذي ما انفكت تشهده البلاد منذ ثورة 14 يناير الماضي، فالمرزوقي عانى من السجن والملاحقة الأمنية والنفي الاختياري وتعرض للمضايقات في عمله ونشاطه الحقوقي والسياسي، فيما كان والده من المعارضين الشرسين للرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة ما دفع به للهجرة الى المغرب، حيث توفي هناك، وهو يرى في وصوله إلى كرسي الرئاسة ثأراً لوالده الذي عانى من ديكتاتورية بورقيبة ولشخصه الذي عانى من ديكتاتورية زين العابدين بن علي.

وأقر المرزوقي انه عاش طفولة صعبة، واعتبر اباه أول دكتاتور يواجهه في حياته، وفي هذا السياق، يقول رئيس تونس الجديد: «والدي محمد البدوي المرزوقي، عمل مربياً للأطفال فترة الحرب العالمية الثانية، ثم وكيلًا عدلياً ومارس الصحافة زمناً لكنه كان مناضلًا سياسياً بالأساس.

ومحمد المرزوقي أول من كوّن خلية الحزب الدستوري في دوز وكان منخرطاً في المقاومة المسلحة.

وعند انتصار الشق البورقيبي لم يجد من حلّ غير الفرار إلى المغرب بعد أن أتته الأخبار بأنه على قائمة الاغتيالات وعاش في البلد الشقيق33 عاماً مكرماً معززاً كوكيل عدلي أمام المحاكم الشرعية، لكن مع شعور حارق بالظلم والغبن والنفي، مات بعيداً عن الأرض التي ساهم بالقلم والسلاح في تحريرها ودفن في مدينة مراكش.

ويضيف د. المرزوقي في حديثه عن والده فيقول: «كان معروفاً بالشجاعة والذكاء الحاد والثقافة الواسعة وكان وسيما بالغ الأناقة، بالغ الاعتداد بنفسه، وصاحب شخصية طاغية جعلت منه أول دكتاتور أواجهه، كانت علاقتنا مبنية على المحبة العميقة والصراع الدائم وهو الصراع الذي انتهى بفوز ساحق للديمقراطية عندما فرضت عليه في العشرين من عمري حرية إبداء رأي مخالف له، لكن هذه الانتصارات الديمقراطية توقفت عند استحالة الحصول على حق التدخين بحضرة الوالد لأنه كان يعتبر التدخين بين يديه انتهاكاً لقدره».

ويردف: «وبالمقابل كانت والدتي عزيزة بن كريم امرأة لها من اللين ما كان لوالدي من الشدة ومن الصبر لا أعرف كائناً اثر في تكوين شخصيتي قدر هذه المرأة التي لم أسمعها يوماً تغتاب أحداً أو تشتكي من شيء رغماً تاطل المصائب عليها مثلما لا أذكر منها نصيحة واحدة، كانت نادرة الكلام منكفية على وقار دائم، تعلم بصمت وتصوغ شخصية أطفالها بالمثل الذي كانت تقدمه وهي تتفانى في عملها وفي تضحياتها لا تنتظر جزاء ولا شكوراً.

طفولة صعبة

ويؤكد المرزوقي أن طفولته كانت غير سهلة أو سعيدة، فالوالد كان بين سجن ومنفى والأسرة تتخبط في فقر مدقع كالأغلبية الساحقة من التونسيين في بداية الخمسينات، لكن في ظلّ الخطر المتواصل كان منزل الأسرة مستودعاً لسلاح المقاومة وكانت الوالدة تعيش في رعب متواصل من مداهمات البوليس.

واليوم يشعر المنصف المرزوقي انه وصل الى كرسي الرئاسة في قصر قرطاج، وكأنه يثأر لوالده الذي عانى من ديكتاتورية بورقيبة ولشخصه الذي عانى من ديكتاتورية بن علي.