رغم عدم صدور مرسوم الدعوة لانتخابات مجلس الأمة الكويتي (البرلمان) بدأت استعدادات المرشحين للانتخابات المرتقب إجراؤها في فبراير المقبل مبكراً للفوز بأحد مقاعد مجلس الأمة الخضراء الـ 50، لترسم ملامح المشهد الانتخابي الذي بدأ يتضح شيئاً فشيئاً، لاسيما فيما يتعلق بكتلة المعارضة النيابية وما حققته من انتصار عبر تنفيذ مطالبها الثلاثة: رحيل رئيس الوزراء، وحل البرلمان، والإفراج عن مقتحمي مجلس الأمة.. ما عزّز موقعها عند قواعدها الانتخابية، بل وأكسبها قواعد جديدة تؤهلها للفوز بشكل كاسح في انتخابات «أمة 2012».

كما ان استثمار كتلة المعارضة بالدرجة الأولى على مواقفها في المجلس السابق ومثابرتها وتمسكها بمطالبها حتى تحققت، جعلها تراهن على جيل الشباب في دوائرها من خارج انتماءاتها سواء كانت قبلية أو طائفية أو حتى كتل سياسية، فيما يكون نواب الموالاة الذين استماتوا في الدفاع عن الحكومة السابقة ورئيسها وكذا النواب المتهمين بتضخم أرصدتهم المالية فيما عرف في الكويت خلال الشهور الأربعة الماضية بـ «الإيداعات المليونية» في وضع حرج، فهم إن لم يخوضوا الانتخابات فكأنهم أكدوا ثبوت التهم الموجهة إليهم، وإن خاضوها فسيشهدون هجوماً حاداً يكونون فيه وقود الخطاب الانتخابي ومادته الأساسية لاسيما عند نواب المعارضة.

أما الكتل السياسية والتيارات الدينية، فهي أفضل حالًا بسبب التنظيم الذي تتمتع به، ومجاراتها المطالبات الشبابية خلال الشهور الماضية، متناغمة مع قواعدها الشعبية، في حين يواجه المرشحون الجدد صعوبة كبيرة تتمثل في العامل الزمني الذي سيكون عائقاً كبيراً أمامهم نظراً لقصر الفترة من الآن حتى يوم الاقتراع والتي لن تتجاوز الـ 90 يوماً في أي حال.

 

خطوة جريئة

ولعل إعلان عدد من أعضاء مجلس الأمة السابقين المنتمين للقبائل عن نيتهم عدم خوض ما يعرف بـ «الانتخابات الفرعية» يعد أيضاً من استحقاقات الشهور الماضية التي عاشتها الكويت، بل يعتبر الخطوة الأهم والأجرأ في مسيرة الحياة السياسية الكويتية، خاصة وأن الانتخابات البرلمانية وعلى مدى عقود كانت تعاني من هذه القضية، التي لم تستطع الحكومة مواجهتها حتى بالقوة.

ويمثل هذا الإعلان نقلة إيجابية نحو مستقبل أكثر استقلالية، بعيداً عن التعصب القبلي، خاصة وأن عدداً من النواب اعتمدوا بشكل كامل على أصوات القبيلة فقط في وصولهم إلى البرلمان خلال المجالس السابقة، بمعنى أنه لو لم تكن القبيلة تمثل ثقلاً في هذه الدائرة أو تلك، لكان الوصول إلى «الكرسي الأخضر» حلماً بعيد المنال بالنسبة لعدد كبير من النواب الذين فازوا بعضوية البرلمان طيلة السنوات الفائتة.

ولو تم تقييم قرار هذه المجموعة القليلة من النواب بشكل مغاير لاعتبر أنه شكّل إحراجاً لبقية الأعضاء من المنتمين إلى القبائل الذين لم يحددوا موقفهم حتى الآن من نيتهم الترشح للانتخابات المقبلة من عدمه، سواء من نواب المعارضة أو الآخرين، لا سيما أن من أعلن عن عدم خوضه الانتخابات الفرعية للقبيلة هم بعض من نواب المعارضة دون غيرهم.

ما يشير إلى أن الأمور تصب في مصلحة من رفض البقاء تحت مظلة القبيلة على الأقل في هذه القضية التي جرّمها القانون ودعا لمحاسبة منظميها والمشاركين بها، إذ يبدو أن النواب الذين أعلنوا موقفهم الرافض للانتخابات الفرعية يعتمدون بالإضافة إلى أصوات المؤيدين لهم من أبناء القبيلة على دورهم النيابي والرقابي خلال الشهور الأخيرة من عمر دور الانعقاد الماضي، من خلال تقديم الاستجوابات والتصريحات الصحافية والمشاركة في الاعتصامات النقابية والطلابية وعقد الندوات المتواصلة والظهور الإعلامي، إذ يعتقد البعض منهم أنه كان له دور كبير بالإطاحة بالحكومة السابقة ممثلة برئيس الوزراء السابق الشيخ ناصر المحمّد الصباح، والسعي إلى محاسبة أعضاء الحكومة والبرلمان الفاسدين.

 

احترام القانون

وأياً كانت الأهداف والنوايا، ومهما كانت الدوافع الخفية لإعلان بعض نواب القبائل محاربتهم الانتخابات الفرعية، فإن القرار بحد ذاته يحسب لهذه الفئة القليلة، لأنه يمثل احتراماً للقانون، كما يشكّل نهجاً جديداً ينم عن قناعات شخصية تحمل الكثير من السلوكيات التي تحتاج ملامسة الواقع بشكل أكثر صموداً، لأنها بالتأكيد ستصطدم بأفكار مضادة تحاول الإبقاء على هذا الحق، من وجهة نظرها، وعدم الالتفات إلى القانون.

وهنا مكمن الخطر، إذ أن التعدي على القانون بات من الظواهر السلبية في الكويت، خصوصاً فيما يتعلق بالانتخابات الفرعية المجرّمة قانوناً، وتم التعامل معها في البداية بحزم في الانتخابات الماضية، لكن النتيجة عدم إدانة أحد في هذه القضية، ما يؤكد أن الحل الوحيد لمشكلة الانتخابات الفرعية ومساوئها وإفرازاتها القبلية والعنصرية، يبدأ من النواب أنفسهم، عبر محاربتها بشكل علني ومحاولة التأثير على أبناء القبيلة بضرورة النظر للحياة الديمقراطية بنظرة أكثر شمولية بعيداً عن أي تعصب سواء قبلي أو عنصري أو طائفي.

عناوين انتخابية

ومما لا شك فيه هو انعكاس الفترة السابقة وما تميزت به من حدة في الخطاب السياسي، إضافة إلى ما تشهده المنطقة الإقليمية من تحولات كبرى، على الحملات الانتخابية والخطابات الإعلامية التي سيتبناها نواب المعارضة والمرشحون الجدد، خاصة بعد أن أثبتت جدواها في تحريك الجموع الشبابية.

وتمثل «الإيداعات المليونية» لأعضاء البرلمان و«المال السياسي» لدعم المرشحين الموالين للحكومة أبرز عناوين الندوات الانتخابية التي ستكون بلا شك الأعنف في تاريخ الحياة الديمقراطية الكويتية، نظراً لأنها تأتي في أعقاب تصعيد سياسي وأمني غير مسبوق.