أفرزت الأزمة السياسية الكويتية الأخيرة الكثير من الأوضاع غير المسبوقة في البلاد، فللمرة الأولى يكون هناك رئيس وزراء سابق، وللمرة الأولى يكون هناك رئيس حكومة جديد وفريق وزاري مستقيل يصرّف الأعمال، وللمرة الأولى يحتفظ رئيس الحكومة المكلّف بحقيبة الدفاع، فهذا ما حدث مع نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع الشيخ جابر المبارك الصباح الذي أدّى الأسبوع الماضي اليمين رئيساً أصيلاً للوزراء بدون الإعلان عن تشكيلة وزارية.
ثم إن الحكومة المرتقبة تبدو أمام مشكلة دستورية، فالدستور الكويتي في مادته 56 تنص على ضرورة ضم الحكومة وزيراً نائباً من مجلس الأمة وهو ما يتعذّر الحصول عليه في الحالة الراهنة حيث لا مجلس أمة.. وبالتالي فلا مجال لتعيين «محلل» برلماني للحكومة، ثم أن اي حكومة جديدة يجب أن تعرض على البرلمان لنيل الثقة وبالتالي فإن أي اختيار سيكون في مهب رياح مجلس الأمة الجديد، عليه، يبدو الخيار ذو المحاذير الأقل في استمرار حكومة تسيير الأعمال حتى انجاز الانتخابات التشريعية، على ان يصار تأليف حكومة وفق التوليفة التي سيظهر مجلس الأمة، ووفق موازين القوى فيه حتى يتم ضمان حصول الفريق الوزاري على الثقة، وتلافي الصدام لأطول فترة ممكنة.
ويعتقد كثير من المراقبين أن الهدوء الحالي في الكويت والناتج عن تغيير رأس السلطة التنفيذية و«تغييب» السلطة التشريعية المشاكسة لبعض الوقت ليس سوى استراحة محارب، إذ ستعود المناكفة بين السلطتين فور تشكيل مجلس أمة جديد.. ولكن، هناك الكثير من المعطيات التي تنبئ بأن سدة الحكم (ممثلة بأمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الصباح) قرّرت انتهاج نهج جديد في التعاطي مع الأزمة السياسية بعيداً عن المسكنات.
تغيير كبير
في مرسوم حل مجلس الأمة الصادر السبوع الماضي كان واضحاً أن الشيخ صباح يريد تغيير طريقة التعامل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فالمرسوم عزا الحل إلى «تعثر مسيرة الإنجاز وتهديد المصالح العليا للبلاد».. ما أعطى إيماءة أكيدة على ان الأمور قبل 6 ديسمبر لن تكون كما قبلها.
وكان أول المؤشرات على هذا التغيير في التعاطي مع الأزمة السياسية التي شلّت حتى التشريع، فضلاً عن التنمية، هو اختيار رئيس وزراء جديداً غير الشيخ ناصر المحمّد الأحمد وهو الذي كان الأمير أكد قبل أسبوع فقط على أنه باق في منصبه ولن يتغيّر.
لكن، يمكن ملاحظة العديد من المؤشرات اللافتة التي تشي بأن التغيير لن ينحصر برئيس الوزراء فقط، فها هو رئيس مجلس الأمة منذ العام 1999 جاسم عبدالمحسن الخرافي يترك الباب موارباً تجاه ترشحه في انتخابات 2012، وبالتالي يشرّع الباب على مصاريعه تجاه اسم رئيس المجلس. فالبديل الجاهز هو رئيس مجلس الأمة الأسبق زعيم المعارضة أحمد السعدون، وفي وصوله إلى سدة السلطة التشريعية الكثير من المحاذير والكثير من الفوائد.
ويميل الميزان لصالح خيار فتح المجال أمام فوز السعدون في المنافسة على مقعد الرئيس مع غياب أي اسم لمرشح موال للسلطة يستطيع أن يضبط حدة المعارضة، وإن كان اسم النائب المخضرم عبدالله الرومي مطروحاً بقوة كونه مقبولاً، ولكن ماذا عن موقف المعارضة تجاهه. ثم أن تبوؤ السعدون سدة الرئاسة سيمكنه من لعب دور ضابط الإيقاع لأصوات المعارضة التي تشوش على أداء المجلس وصورته.
إنّ قراءة المشهد بتأنٍ تشير إلى أن الشيخ صباح الأحمد قرّر التأكيد على مفهوم حكم القانون والدستور، وهو ما يبدو جلياً في التشدد الحاصل من قبل الحكومة ممثلة في وزارة الداخلية تجاه الانتخابات الفرعية التي اعتادت القبائل على اللجوء إليها لـ «غربلة» المرشحين لضمان الأصوات والكراسي.
ويبدو المحك الآن وحتى ظهور ملامح مجلس الأمة الجديد (في غضون الـ 90 يوماً المقبلة) في ضمان مرحلة وئام بين رئاستي الوزراء والبرلمان، وهو ما كان بين مدٍ وجزرٍ في العلاقة بين الشيخ ناصر المحمّد وجاسم الخرافي منذ العام 2006 وحتى كتابة الفصل الأخير من الدور التشريعي المنحل لمجلس الأمة وللحكومة المستقيلة.
الملمح الثاني من التغيير كان في إعداد مجموعة من النواب، أكثريتهم من المعارضة، وثيقة إصلاحات سياسية يتعهد المرشحون الوطنيون بتطبيقها في حال وصولهم إلى مجلس الأمة، في سبيل تحويل الكويت إلى «بلد مؤسسات وليس بلد هبات وعطايا»، وفق توضيحات القائمين على الوثيقة.
أما الملمح الثالث، فهو تتالي إعلانات العديد من النواب القبليين على النأي بأنفسهم عن الانتخابات الفرعية استجابة لحكم المحكمة الدستورية تجريم مثل هذه الانتخابات التي كانت تعتبر من «أساسيات» العملية الانتخابية رغم ملاحقتها قانونياً ومحاصرتها امنياً.
أما الملمح الرابع، ففي تزايد الحراك الشبابي وتداول أسماء جديدة من الناشطين الشباب الراغبين في خوض تجربة الانتخابات النيابية.

