ينظر الكثير من المراقبين والمحللين للتكليفات التي وضعها رئيس المجلس العسكري، الذي يدير شؤون مصر المشير محمد حسين طنطاوي، لحكومة كمال الجنزوري التي أدت اليمين الدستورية أول من أمس، على أنها «خريطة طريق» شديدة التعقيد وتفوق قدرة هذه الحكومة وفترة بقاءها، التي لن تزيد عن ستة أشهر في رأي أشد الناس تفاؤلاً، الأمر الذي قد يصدم الرأي العام فيما هو متوقع إنجازه من هذه الوزارة.
وبالنظر إلى تكليفات «المشير»، نجد أنها تتضمن سلسلة طويلة من المهام التي ينبغي على الجنزوري الوفاء بها، خصوصاً وأن لديه «صلاحيات رئيس جمهورية.. إلا قليلاً»، ومنها: تحقيق الاستقرار الأمني لإعادة دفع عجلة العمل والإنتاج بمعدلاتها في كافة المجالات، وسرعة قيام أجهزة الأمن بتولي كافة مسؤولياتها بما يتيح عودة رجال القوات المسلحة إلى ثكناتهم.
وتضمنت التكليفات كذلك «دفع مسيرة العمل الوطني للوصول للمجتمع الديمقراطي الحر، وتسليم إدارة شؤون البلاد للسلطات المدنية المنتخبة من خلال استكمال الانتخابات البرلمانية، وإعداد دستور جديد وانتخاب رئيس، واتخاذ ما يلزم من إجراءات للتصدي بكل حزم لكل صور وأشكال الفساد والمفسدين». وبالنسبة للهم المعيشي اليومي للمصريين، فقد نصت التكليفات على ضرورة «اتخاذ كافة الإجراءات الخاصة بمكافحة الغلاء وارتفاع الأسعار وضبط الأسواق، وتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين، ورعاية المناطق والأسر الأكثر احتياجاً، وتفعيل عمل أجهزة الدولة المختصة بالرقابة لضمان وصول الدعم لمستحقيه».
وأيضاً «أهمية إعداد برنامج إصلاح مالي جاد، يتعلق بزيادة موارد الدولة، وإعادة النظر في حجم الإنفاق العام وإدارة الدين العام، ومواصلة الجهود لتهيئة ودعم المناخ الملائم للاستثمار، وتحقيق أكبر قدر ممكن من فرص العمل المنتجة بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة».
براءة ذمة
ويرى المراقبون أن تكليفات المشير للجنزوري، لا يمكن لأي حكومة انتقالية الوفاء بها، في هذه الفترة الزمنية القصيرة، حتى تكتمل ملامح النظام السياسي المصري بانتخاب برلمان ورئيس جديدين، وإنما تصلح كبرنامج عمل متكامل لحكومة منتخبة لها فسحة من الوقت لا تقل عن أربعة أعوام، وتعمل «كأنها تعيش أبداً»، وفق تصريح وزير السياحة منير فخري عبد النور.
ومن ثم فإن هذه التكليفات في رأي المراقبين لا تعدو عن كونها «براءة ذمة» أمام الشعب المصري، حيث يستطيع المجلس العسكري القول الآن إنه لا عذر أمام هذه الحكومة في تحقيق ما يريده الشعب، خصوصاً بعد حصولها على أغلب صلاحيات رئيس الجمهورية، وتحديد معالم الطريق أمامها، وبالتالي فإن أي فشل متوقع لن ينسب للمجلس العسكري، وإنما لمن أخذ الصلاحيات وأطلقت يده ولم ينجز المطلوب منه.
الرهان الأمني
وفي أغلب الظن أن الجنزوري نفسه يدرك أنه لا طاقة لحكومته بتنفيذ هذه التكليفات الطموحة، ولهذا سيلجأ إلى التركيز على إنجاز هدف واحد أو اثنين على أقصى تقدير، وبالتالي يستطيع الشعب أن يلمس وجود تغيير حقيقي قد حدث.
ولعل الهدف الأساسي الذي سيركز عليه الجنزوري، هو إعادة الانضباط الأمني إلى الشارع، حيث إنه المطلب الوحيد الذي يتفق عليه المصريون الغاضبون من الانفلات، والذين يشعرون منذ ثورة 25 يناير بعدم الاطمئنان، نظراً للانتشار الرهيب للسلاح وأعمال البلطجة، وبالتالي لم يكن غريباً أن يكون التصريح الأول لوزير الداخلية الجديد اللواء محمد إبراهيم يوسف، هو التأكيد على أن «وزارة الداخلية سوف تعيد الأمن في فترة قصيرة للغاية، ومهمتها تنحصر في تأمين المواطن وتأمين ممتلكاته».