مع اندلاع الانتفاضة في سوريا منذ تسعة شهور تصدرت صورة المرأة السورية المشهد السياسي والميداني.
وكان بادياً للعيان حسب تقارير المنظمات الحقوقية والناشطين في الداخل أن المرأة من أكثر الشرائح المتضررة في الاحتجاجات على خلفية تعرضها إلى القتل والتنكيل فضلاً عن فقدانها فلذات أكبادها وأزواجها وأخواتها بشكل يومي في المناطق المتوترة. وتشير تلك التقارير إلى أن معظم النساء الضحايا قتلن إما بالرصاص الحي في التظاهرات أو من خلال وقوفهن في شرفات منازلهن أو بسكتات قلبية ودماغية حزناً على فقدان أزواجهن أو أبنائهن عدا عن نقص حاد لمستلزمات طبية في مناطق النزاع التي ذهبت ضحيتها مؤخراً السيدة شمسة خالد عبارة بعمر يناهز 70 عاماً في منطقة الحولة التابعة لمحافظة حمص نتيجة عدم توفر الأدوية المخصصة لمرض السرطان.
وفي هذا الصدد، يقول الناشط الحقوقي ومدير مركز السوري للأعلام وحرية التعبير مازن درويش لـ «البيان» أن المرأة السورية شاركت بشكل ملفت للانتباه في التظاهرات منذ انطلاقة الاحتجاجات في منتصف مارس الماضي، مشيراً إلى أن الإحصائيات المتعلقة بعدد الاعتقالات في صفوف النساء غير شفافة نتيجة انتهاج النظام سياسة الاعتقالات العشوائية، كما أن الأرقام الصادرة من قبل وزارة الداخلية يشوبها الكثير من الغموض والتحايل.
ويضيف مازن أن «الأرقام التي بحوزتنا تشير أن أكثر من 113 سيدة لقين مصرعهن على أيدي قوات الأمن منذ بدء الحراك الشعبي، نصفهن تحت السن القانوني. وتلك الأرقام شبه موثقة من قبل المنظمات الحقوقية، في حين طالت الاعتقالات أكثر من 300 امرأة، لافتاً إلى أن خصوصية المجتمع الشرقي وحساسيته حال دون توثيق معظم جرائم الاغتصاب، لكن المنظمات الدولية كالعفو الدولي ومنظمة هيومن رايتس ووتش ولجنة أممية لتقصي الحقائق أكدت عبر شهادات ودلائل واضحة الكثير من حالات الاغتصاب بحق النساء والأطفال.
ومنذ بدء التظاهرات تتعرض الناشطات السوريات إلى ضغط شديد من قبل أجهزة الأمن في كل المدن، وعلى رأسهن سهير أتاسي ورزان زيتونة وهرفين أوسي، وآخر هذه الملاحقات اعتقال المدونة روان غزوان على الحدود الأردنية السورية، واختطاف الطالبة الجامعية يمان القادري على باب الكلية التي تدرس فيها.
لاعودة للوراء
تقول هرفين أوسي: «اجتزنا دائرة الرعب والخوف الأولى ومن الصعب إرجاعنا إليها، ولا عودة للوراء أبداً، فنحن ماضون لنحقق سوريا المستقبل، سوريا لكل السوريين كما يريده أبناء هذا الوطن».
وتتابع أوسي، التي اعتقلت سابقاً على يد أجهزة الأمن، أن «المرأة التي تستقبل الموت بتهليل لا تخاف من أي وسيلة تعذيب»، مشيرة أن المرأة لها دور بارز في الانتفاضة، معتبرة عدم ظهورها بكثافة في التظاهرات لا يعني قلة مشاركتها «فالمرأة لها الكثير من الأدوار الأخرى التي تقوم بها لا سيما أنها هي من تقف وراء تشجيع هذا الرجل الذي لم يعد يقبل العيش مذلولاً».
وتشير إلى أن عدد النساء القتيلات أكثر ما هو متناول في أروقة المنظمات الحقوقية والإعلامية لأن الأرقام التي تصدر عن المنظمات الحقوقية التابعة للأمم المتحدة غير دقيقة ولا تدرج فيها المُغيّبات ومجهولات المصير، لافتة إلى أن حجم الضحايا «لن يعرف بالدقة إلا بعد رحيل النظام».
وتتحدث أوسي عن نمط جديد من المواجهة مع النظام، قائلة إن «المرأة التي تستقبل جنازة ابنها الشهيد بالزغاريد وتتعهد بمواصلة مسيرته تجاوزت بالتأكيد ثقافة الخوف التي زرعتها النظام على مدى أربعة عقود».
هرب من الانتهاكات
وتؤكد ميادة (34 عاماً)، وهي من سكان بلدة خربة غزالة في محافظة درعا، أنها انتقلت مع زوجها ليعيشا في العاصمة دمشق، بعد أن انتهكت قوات الأمن كل حرمات البيوت.
وتقول ميادة: «ربما المرأة السورية لا تكون شاركت بالحجم نفسه في التظاهرات، إلا أن الثمن الذي تدفعه مضاعف، فهي تدخل إلى أقبية السجون وتتعرض إلى القمع. وتستطرد ميادة التي لم تفقد روح الدعابة رغم المآسي التي عاشتها جراء فقدان عدد من أفراد عائلتها إن الرجل «لن يفهم حجم المعاناة الكاملة للمرأة التي تستقبل جثة ابنها بالزغاريد إلا إذا وضع نفسه محل الأم».
تتقدّم الصفوف
وحول مساهمات المرأة السورية ميدانيا، يقول أيمن من مدينة حمص، إن المرأة التي تشارك في التلويح بالمناديل للشباب أو إعطاء إشارات لهم وهنّ على أبنية المنازل عند مهاجمة قوات الأمن المتظاهرين، تحتل مكانها في الصفوف الأمامية للمظاهرات. ويضيف: «إنها تتقدم المظاهرة لعل قوات الأمن تتراجع عن الهجوم.. إنها تحاول حماية الرجل، وهذه أشياء جديدة علينا.. هي نصف الانتفاضة، وليس فقط نصف المجتمع».
استهداف
إلا أن العديد من النشطاء لاحظوا في الفترة الأخيرة استهدافاً واضحاً للنساء من قبل عناصر المخابرات في المظاهرات.
ويعيد معاذ، هو من حي القابون في دمشق، هذا السلوك الأمني إلى الدور الذي تلعبه المرأة في تقديم زخم كبير لاستمرارية الانتفاضة. وبحسب شهادات شخصية، يؤكد معاذ أن المرأة تلعب دورا كبيرا في عملية مداواة الجرحى، كما تساهم في إخفاء النشطاء الهاربين من مداهمة الأمن.
