سارع المراقبون في واشنطن إلى الربط بين الخطوات التي تلاحقت في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، بشأن الأوضاع في سوريا. وبالتحديد لقاء وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بوفد من المعارضة السورية، في جنيف، وعودة السفير الأميركي إلى دمشق بعد ستة أسابيع من الغياب عنها.
معظم القراءات رأت في التوقيت والتزامن مدلولات تتقاطع عند ترجيح احتمالات التعقيد والتدهور في الأزمة السورية. والردود الرسمية، من البيت الأبيض والخارجية، على لسان الوزيرة والناطق الرسمي، انطوت مفرداتها على إشارات بهذا المعنى.
وعزّز هذه القراءة، أن التصعيد الدبلوماسي الأميركي واكبه، حسب ما ذكرته تقارير إعلامية، تعنيف أمني خطير، خاصة في مدينة حمص، أخذ اللون الطائفي الفاقع و«المفتوح على المزيد» منه.
لكن التضارب وعدم التناغم، على الأقل في الظاهر، بين خطوتي الإدارة، أثار تساؤلات، فالسفير الذي استدعته واشنطن في أكتوبر، بزعم الحرص على سلامته، أعادته في لحظة أمنية يصفها الأميركيون أنفسهم بأنها ليست أقل خطورة بل أشدّ، من ذي قبل. ثم إذا كان استدعاؤه أصلاً قد جرى كتعبير اعتراضي فإن رجوعه يفترض أن أسباب الاعتراض قد زالت أو هي في طريقها إلى الزوال. لكن مثل هذا الاستنتاج لا يستقيم مع لقاء الوزير بالمعارضة، الذي وضعه محللون في خانة المقدمة للاعتراف بها ودعوتها إلى واشنطن في وقت ليس بالبعيد.
هل هو تضارب متعمّد لإرباك دمشق؟ أم أنه رفع لمنسوب المحاصرة والضغوط؟ أو كما قال أحد المتابعين لأحداث المنطقة، إنه «مناورة لحجب ترتيب ما» اقتضى تزويغ الأنظار عنه الآن ولغاية اتضاح معالمه في الآتي القريب من الأيام؟
وأشار هذا المتابع إلى إعلان حركة «حماس» قرارها بنقل مقرها من دمشق، باعتباره خطوة قد يكون لها علاقة بهذا الترتيب! علماً بأن المعلومات المتداولة في واشنطن تتحدث عن ضغوط إقليمية تعرضت لها الحركة لمغادرة سوريا. بكل حال، كان لقاء جنيف، الأول بمستواه وعلنيته وبنود مباحثاته، مسألة وقت. سبقته اتصالات تمهيدية مباشرة، على مستوى أدنى، بين الجانبين في أوروبا، باعتراف الخارجية الأميركية.
وما استوقف في نقلة أمس، كان دخولها في التفاصيل والسياقات المرغوبة، فضلاً عن المواصفات التي تقترحها، إن لم تشترطها، واشنطن «الملتزمة بالمساعدة على تحقيق عملية الانتقال»، على حدّ تعبير الوزيرة كلينتون. فما حرصت مصادر الوزيرة على تسريبه بعد الاجتماع، دار حول نقطتين:
استفسارها عن الخطط الانتقالية التي أعدّتها المعارضة ومقاربة هذه الأخيرة لموضوع الأقليات في سوريا. فالأول شمل التشديد على «وحدة المعارضة» لتصبح مرشحة للارتقاء من طرف «قيادي شرعي» بتعبير الوزيرة، إلى محاور مقبول. تماماً كما حصل مع المعارضة الليبية سابقاً. النقطة الثانية، كان الغرض من طرحها حثّ جماعة المجلس الوطني في الخارج، على العمل لتطمين الأقليات وبما يحملها على «سحب بساط تأييدها للنظام». أو في أقله، تحييدها.
ويذكر، على سيرة النظام، أن المقابلة التي أجرتها المذيعة الشهيرة برباره والتر من شبكة تلفزيون ايه بي سي، مع الرئيس بشار الأسد، أخذت حيزاً بارزاً من التعليق، خاصة في الإعلام المرئي، الذي صبّ في تقديم صورة سلبية عن التعامل الرسمي مع الأزمة.
رجوع السفير ومدّ الجسور المفتوحة مع المعارضة، خطوتان حرصت الإدارة على وضعهما في سياق تزخيم «العملية الانتقالية» في سوريا، ولو أنها لا تبدو في وارد تجاوز هذه الحدود ولغاية السنة القادمة مثل هذه الأيام على الأقل؛ بحكم أولوية الحسابات الانتخابية.