لم يجد العلمانيون واليساريون في تونس ما يواجهون به حركة النهضة إلا السعي الى بث الخوف في نفوس الناس من مستقبل قد يحمل الكثير من المفاجآت غير السارة، أو التشكيك في صدق وعود الحركة الاسلامية، واتهام قيادييها بازدواجية الخطاب، الأمر الذي يبدو ان الشارع لم يصدقه.

وأعطى التونسيون لحركة النهضة انتصارا كبيرا في 23 اكتوبر الماضي عندما صوّتوا لبرنامجها الانتخابي وحمّلوها مسؤولية إدارة الشأن العام خلال المرحلة المقبلة. وتتعاطف النسبة الاكبر من الشارع التونسي مع الحركة التي تتعرض لهجمة قوية تقودها الأحزاب اليسارية التي فشلت في الانتخابات، والتيار العلماني الذي حاول لمدة 55 عاما فصل البلاد عن محيطها الحضاري وعن هويتها العربية الاسلامية، ووجد في الغطاء الفرانكوفوني دعما كبيرا لمشروعه.

العقلانية في الخطاب

ولعل من أهم مميزات حركة النهضة أنها اختارت العقلانية والرصانة في خطابها السياسي، فهي لم تدع الى الانتقام ممن كانوا وراء قمع وسجن وتعذيب أكثر من 30 ألفاً من أعضائها والمتعاطفين معها خلال التسعينيات من القرن الماضي، وقتل بعض كوادرها في زنزانات النظام السابق. وأكد راشد الغنوشي أن لدى الحركة اسماء وعناوين كل من تورطوا في قمع قيادييها وأنصارها، ولكن لم يحاولوا الانتقام او التشفي او الثأر حتى في الايام التي كانت فيها البلاد تعيش حالة من الانفلات الامني، كما ان «النهضة» لم تبدِ أي شكل من اشكال الشماتة في حزب التجمع (الحكام سابقاً) ولم يصدر عنها اي خطاب إقصائي ضدهم، ولم تسعَ الى التدخل في شؤون الهيئات المستقلة المحدثة بعد الثورة، ولم يقم المحامون المنخرطون فيها برفع دعاوى قضائية ضد أي طرف مهما كان حجم خلافها الفكري أو الأيديولوجي أو السياسي معه، وإنما العكس هو الصحيح، حيث دعت قيادة الحركة الى مصالحة وطنية شاملة لا تستثني إلا من تلوثت أيديهم بدماء ودموع التونسيين.

احترام الحريات

وفي الوقت الذي كان فيه العلمانيون يتصيدون أي خطأ أو زلة لسان من أحد القادة الاسلاميين، دعا زعيم النهضة الشيخ راشد الغنوشي الى احترام الحريات الشخصية في البلاد، واعتبار حقوق المرأة مكسبا اجتماعيا وطنيا، ودعا الى دعم السياحة والإبقاء على نموذج الحياة التونسية على ما كان عليه، حيث لن يفرض الحجاب، ولن تغلق الملاهي، ولن يمنع بيع الخمور، ولن يقف الاسلاميون في وجه حرية التعبير والتفكير والابداع والعمل الثقافي، ولن يكون هناك اي مساس بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية المبرمة قبل الثورة، ولن تمس حرية الاعتقاد والشعائر الدينية للاقليات اليهودية والمسيحية في البلاد.

وأظهرت حركة النهضة اعتدالا أحرج خصومها السياسيين، وفاجأ رئيس كتلتها في المجلس الوطنى التأسيسي المحامي نور الدين البحيري الجميع عندما قال إنه مع سحب الثقة من الحكومة او من رئيس الدولة او من رئيس المجلس بالأغلبية البسيطة، أي 50 في المئة زائد واحد، وأن قانون الأحوال الشخصية يعتبر قانونا أساسيا بمعنى عدم المساس. كما كان لتنازل الحركة عن الكثير من صلاحيات رئيس الحكومة المكلف لفائدة رئيس الدولة المقبل ردود فعل إيجابية في الشارع التونسي الذي عمل على انتخاب النهضة والدفع بها الى مركز الحكم من باب الاحترام لتاريخها النضالي الطويل، وكذلك من باب الحنين الى هويته العربية، والى جانب ذلك أراد ان يجرّب كيف يقود المتديّنون دفة الحكم بعد أعوام من الخضوع لأباطرة الفساد والسرقة والتلاعب بقوت الشعب. رسائل طمأنة

استطاعت حركة النهضة ان توجه رسائل طمأنة الى الغرب فتقبلها بإيجابية، عبرت عنها الحكومة الفرنسية من خلال اتصال وزير خارجيتها آلان جوبيه بالغنوشي، والحكومة الالمانية التي ارسلت رئيس برلمانها ليؤكد استعداد بلاده لمساعدة الحكومة المقبلة على تجاوز الصعوبات الاقتصادية، ولم يخف الجانب الاميركي احترامه لإرادة الشعب التونسي، وثقته في قدرة الاسلاميين التونسيين على تقديم نموذج ديمقراطي ثقافي وحضاري متقدم. وخلال الاسبوع الماضي قام راشد الغنوشي بزيارة الى الولايات المتحدة أكد خلالها ان حركة النهضة لن تضمن دستور الجمهورية الثانية أي بند يجرّم التطبيع مع إسرائيل أو الصهيونية، فتونس ليست من دول المواجهة، وهي تحدد مواقفها حسب ما يراه الفلسطينيون صالحاً، وستسعى دائماً لمساندة خيارات السلام في المنطقة.