أكد المفكر العربي أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت شفيق الغبرا في حوارٍ مع «البيان» أن السيناريو السوري يتجه نحو نموذج خاص به، ولن يكون ليبياً، وقد يقترب في بعض النواحي من السيناريو المصري، ليكون بينهما، مشيراً إلى أن الليبيين ورثوا عن النظام السابق واقعاً سياسياً خالياً من أي تقاليد أو مؤسسات، ما يعني أن مهتهم ستكون أصعب، ومنبهاً إلى أن التيار الإسلامي لن يصمد إذا لم يكن براغماتياً.

وقال الغبرا، في لقاء على هامش منتدى الفكر العربي في دبي، رداً على سؤال فيما إذا كان بالإمكان اعتبار النموذج الليبي الأنجع لجهة القطع التام مع الماضي من ذاك المصري أو التونسي، إن «كل نموذج من نماذج الثورات يمثل حالة لها مضمون ومعنى وسياق وديناميكية تندرج كلها في إطار الثورات العربية وحالة التغيير التي تعم العالم العربي». وأفاد بأنه في الحالة الليبية «ورث الثوار واقعاً سياسياً خالياً من أي تقاليد أو مؤسسات. أما في مصر وتونس، فالثوار ورثوا حالة فيها الكثير من تقاليد القضاء والمجتمع المدني وقوى المعارضة الحية واتحاد العمال، فضلا عن مؤسسة الجيش».

وأضاف المفكر العربي ان «هذه الأبعاد تخلق حراكاً من نوعٍ آخر. إذاً، لا نستطيع المفاضلة بين النماذج»، مستطرداً: «أنا أفضل أن تجد الثورة عندما تأتي شيئاً لتبني عليه.. وفي الحالة الليبية، ستكون المهمة شاقة وأصعب». وسألت «البيان» الغبرا عن رده على ما يقال إن على الثورة أن تجتث كل ما يمت للنظام السابق تماماً، فأجاب: «هناك حالات قطع مع الماضي فجأة، وهناك ما هو على مراحل.

فالثورة المصرية، قطعت مع الرئيس السابق حسني مبارك ومن حوله. والمرحلة الثانية من الثورة هي التعامل مع النظام التسلطي الذي استمر بعد مبارك». وأردف: «ربما تكون الثورة على مراحل، أسهل نسبياً، بينما يسبب القطع التام مع الماضي فراغاً كبيراً يضع تحديات على القوى السياسية».

 

الوضع السوري

ورداً على سؤال عن السيناريو الأقرب في سوريا، فيما إذا كان ليبياً أم مصرياً أم تونسياً، أفاد الغبرا: «السيناريو السوري يتجه نحو نموذج خاص به، ولن يكون ليبياً، وقد يقترب في بعض النواحي من السيناريو المصري، ليكون بينهما». وأوضح أنه «ستكون هناك آفاق إقليمية ودولية لمساندة الشعب السوري، فيما تكمن الإشكالية في بناء شيء من الدمار». وقال إن في سوريا «مجتمعاً يحوي تراثاً في التجارب السياسية والإنسانية قد تكون عوناً له على البناء.. والوضع السوري يتوقف على كيف سينتهي المشهد ومتى ينتهي». وطرح في هذا الصدد تساؤلات، مستفسرا: «هل ينتهي بانقلاب يأتي بمرحلة جديدة؟، أو بتدخل تركي؟، أو بسقوط مفاجئ للنظام؟ إن نهاية المشهد ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة في سوريا».

الإسلاميون والثورات

وأجاب الغبرا على سؤال «البيان» فيما إذا كان يعتقد أن التيار الإسلامي أثبت نفسه كطرف براغماتي أكثر منه إيديولوجياً عبر الانتخابات التي نظمت مؤخراً في المغرب وتونس، بأن التيار الإسلامي «خرج من المجتمع، وهو انطلق حاملاً رؤى إيديولوجية، ولكن أعوام الاعتقالات والمعارضة علمته دروساً كثيرة». وأفاد أن الثورات «انفجرت بمعزل عن التيار الإسلامي وبدون دراية منه، لكنه تأقلم معها وساهم في حمايتها ودخل في المعترك السياسي الذي يساهم في التغيير». وشدد على أن الإسلاميين «لن يصمدوا إن لم يكونوا براغماتيين، والجيل الشاب من التيار الإسلامي سيكون أكثر براغماتياً».

وسألت «البيان» أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت إن كان بالإمكان أن تنتهي حالة الإسلام السياسي عربياً إلى وضع أشبه بـ«الحزب الديمقراطي المسيحي» في ألمانيا، فرد: «المآل التاريخي يقول إننا سنصل إلى وضع مشابه لهذا، والتيار الإسلامي سيحاسب في النهاية، إذا تصدر المشهد، على قضايا من قبيل الاقتصاد، الفساد، التنمية، الحقوق، الحريات، التشريعات، والمسائل الخدمية الأخرى. فإن نجح، سيكون تياراً قيادياً لفترة غير قصيرة. وإن فشل، فسيصوت الناس لمن لديه القدرة على القيام بهذه الأعباء».

فشل الليبراليين

وعلق الغبرا على ما يوصف بـ «فشل» التيار الليبرالي العربي في التعبئة وتركه الساحة للإسلاميين، فأوضح: «التيار الليبرالي ضرب وهمش، والأنظمة اعتقدت بأنها من خلال ضرب التيارات الوسيطة فإنها ستدفع الناس إلى أحضان الإسلاميين، وراهنت على أن الجيش والاستخبارات سيحميانها، في حين أنها اكتشفت الآن أن الجيش والأمن غير قادرين على حمايتها». واستطرد: «ضربت الأنظمة العربية الإسلامي المعتدل وحتى الفئة المقربة من النظام ولكن تحمل رأياً مختلفاً بشكلٍ هامشي، لكي تبقي المعادلة على النحو التالي: إما نحن أو التطرف»، على حد وصفه.

وأوضح: «ولذلك، حينما اندلعت الثورة المصرية أراد نائب الرئيس السابق عمرو سليمان أن يتفاوض مع شباب الثورة، لكنه لم يجد قوى وسيطة تُفاوض لديها المصداقية والقدرة على وقف حراك شعبي». وقال: ان «التيار الليبرالي موجود في هذه الثورات، فشبان التيارات التي تصنعها لا يمكن تصنفيهم على أنهم إسلاميون. فحركة 6 أبريل، خليط.. وماضي شبابها هو من الإخوان، ولديهم الآن نزعة انفتاح وقبول للآخر. ويمكن القول إنهم ليبراليون ليس بالمعنى النخبوي الاستعلائي.. إذاً، هناك خليط جديد يبرز أمامنا اليوم».