يترقب العراقيون باهتمام كبير جلاء القوات الأميركية بشكل كامل أواخر الشهر الجاري، في إطار برنامج حددته الاتفاقية الأمنية الموقعة بين بغداد وواشنطن أواخر العام 2008.
ورغم أن عملية الانسحاب أصبحت حقيقة واقعة، حيث تشاهد أرتال الجيش الأميركي وهي تقطع مئات الكيلومترات من المدن العراقية باتجاه الكويت، إلا أن المخاوف لا تزال تخيم على الشارع العراقي من أن ينعكس هذا الانسحاب سلبا على الوضع الأمني غير المستقر، والوضع السياسي الهش، في ظل نقص كبير في جاهزية القوات الأمنية والعسكرية، وخاصة ما يتعلق بالقدرات التسليحية.
وتشهد العملية السياسية في البلاد حالة من الصراع وعدم الانسجام بين الكتل السياسية، حيث يتعذر على قادة الكتل الكبرى تحقيق موعد لإجراء أي لقاء جماعي يجمعهم لحل أي مشكلة تواجه البلاد، أو اتخاذ موقف موحد حيال أي مشكلة إقليمية مثلما هو الحال في المواقف المتضاربة بينهم بشأن حالة الربيع العربي، حيث يرى البعض أنها شأن داخلي لا دخل للعراق فيه، فيما يقف آخرون بموقف المدافع عن حقوق هذه الطائفة أو تلك مما يخلق إرباكا في الموقف الرسمي الحكومي.
حكماء وفرقاء
وقال سليم خالد، (47 عاما) موظف حكومي، «لا تزال ملامح الدولة العراقية الجديدة غير واضحة، فرغم وجود دستور دائم فإن العملية السياسية والقرارات الحاسمة تتم من خلال توافقات ما يخلق حالة من الإرباك، وبالتالي أصبح التوافق هو العرف وليس الدستور، ما يعني هشاشة في الواقع السياسي وقصور في مواجهة الأزمات».
وأضاف: «وضع البلاد الحالي لا يزال بحاجة إلى حكماء، وليس إلى فرقاء سياسيين ينفذون أجندات خارجية، لأن المرحلة المقبلة بحاجة إلى لملمة الأوراق، وليس خلق مشاكل وأزمات من أجل إرضاء فئة على حساب فئة أخرى، لتحقيق مكاسب جماهيرية متناسين أن هذه تصرفات قد تجر البلاد إلى الوقوع في مشاكل كبيرة يدفع ثمنها المواطن، وليس طبقة السياسيين التي تكون في كل الأحوال مهيئة للفرار في حال حصول أي أعمال عنف خطرة».
ويتخوف العراقيون من أن تؤدي حالة عدم الانسجام بين الكتل السياسية وضعف الأداء الحكومي، وعدم حسم موضوع الميليشيات المسلحة التي تنتمي إلى جهات سياسية نافذة في البلاد، واتساع رقعة الفساد الإداري والمالي، وعدم جاهزية القوات الأمنية والعسكرية، وغياب الخطاب الرسمي لتجاوز أخطاء الماضي، والعمل على معالجة المشاكل في أروقة العمل السياسي وليس في المنابر الإعلامية والمحطات الفضائية، كلها إلى جر البلاد إلى ما لا تحمد عقباه ما لم يتم معالجتها بشكل حاسم.
ويرى البعض أن الجماعات المسلحة في البلاد، ومنها تنظيم القاعدة، رغم حملات الاعتقالات اليومية وقتل أعداد كبيرة من قادتها فإنها لاتزال مصدر قلق وقادرة على القيام بأعمال وخروقات أمنية خطيرة منها احتلال أو السيطرة على أبنية حكومية ومراكز أمنية حساسة، كما جرى في مدينة تكريت وبعقوبة ومناطق أخرى متفرقة أو القيام بعمليات كبيرة مثل تفجير وزارات الخارجية والمالية والعدل والبلديات ومجلس محافظة بغداد وعدد من الفنادق وغيرها وكل هذا جرى رغم الجهد الاستخباري الأميركي والوجود العسكري في البلاد.
وذكر سرمد الخالدي، 26 عاما صاحب محل تجاري، «بالتأكيد هناك مخاوف، لأن القيادات السياسية لاتزال تعيش حالة من عدم الانسجام عند مناقشة أي مسألة يمكن أن تجد لها حلاً في أي مقهى ببغداد أو حافلة لنقل الركاب، فضلا عن أن القوات الأمنية لا تبدو بذات الكفاءة التي قد يتصورها البعض في معالجة أي خرق أمني وخاصة في المدن البعيدة عن مصدر القرار»
