الطوابير الطويلة التي وقف فيها المصريون للتصويت في أول انتخابات برلمانية بعد ثورة 25 يناير لم تكن غريبة، فهي جزء أصيل من طقس حياة المصريين اليومي، سواء للحصول على الخبز او اسطوانات الغاز، او حتى ركوب المواصلات العامة. لكن الفرق بين هذه الطوابير وتلك شاسع وواضح، ويندرج في سياق أعمق خلفته الثورة، التي حرضت المصريون على المشاركة السياسية، ودفعتهم لهجرة حزب »الكنبة« الذي كان أبرز ما ميز رؤيتهم للحياة السياسية في بلاده فترة حكم الرئيس السابق حسني مبارك.

فعلى مدار 30 عاما كانت الاغلبية الساحقة من المصريين تتابع تفاصيل ما يحدث في بلادهم من انتخابات او صراعات سياسية، من فوق الكنبة وأمام التلفاز ومن دون أدنى رغبة في المشاركة، نظرا لادراكهم ان صوتهم او رأيهم لن يكون مؤثرا في رسم خريطة المستقبل لبلادهم. لكن ما حدث بعد الثورة كان أمرا مفاجئا وغريبا، وهو ان المصريين أدركوا ان صوتهم يمكن ان يحدث فرقا، ويمكن ان يشكل حاجزا أمام اختطاف بلادهم مرة أخرى على أيدى الساعين لتقسيم «تركة مبارك».

لحظة خطر

واذا حاولنا فهم لماذا وقف المصريون بهذه الكثافة أمام صناديق الاقتراع، فلن نجد صعوبة على الاطلاق، خاصة وان الجميع يدرك ان هناك «لحظة خطر» تمر بها الامة، واذا لم يتكاتف الجميع ويشارك بقوة فلن تعبرها وربما يضعها ذلك على طريق المجهول السياسي والاقتصادي.

وتعمق هذا الخوف خلال الفترة الاخيرة، خاصة عندما وجد المصريون ان بلادهم على شفا مواجهة غير محمودة العواقب بين المجلس العسكري والقوى والتيارات السياسية، وظهرت ملامح الخطر في سقوط عشرات القتلى والاف الجرحى في ميدان التحرير وسط القاهرة، وما تبع ذلك من مطالبات باسقاط المجلس العسكري الذي يعتبر من وجهة نظر الكثير خط الدفاع الاخير عن بقاء الدولة.

«لحظة الخطر» هذه دفعت المصريين الى ادراك ان الازمة السياسية الحادة وحالة الاستقطاب التي شهدها المجتمع، لن تنتهي الا بحل عملي، وهو الاحتكام الى صناديق الاقتراع، عله يضع كل طرف في حجمه الطبيعي، ويعبر بالبلاد مرحلة الفوضى السياسية.

الانفلات الأمني

وليس الانقسام السياسي وحده، كان الدافع وراء هجرة المصريين لحزب «الكنبة»، ولكن مخاوفهم ايضا من استمرار الانفلات الامني الموجود في كافة الشوارع والميادين وباشكال مختلفة، تبدأ من فوضى الحركة المرورية الى المشاجرات والاشتباكات التي تستخدم فيها الاسلحة النارية، الى عمليات الاختطاف التي تطلب فيها فدية مالية. واضافة الى ذلك فان الوضع الاقتصادي الضاغط على الجميع، كان دافعا للتحرر من السلبية السياسية التي لا يمكن ان تعبر بالبلاد هذه المرحلة الانتقالية الحساسة في عمر الدولة المصرية.

الخريطة السياسية

لكن ما يقلق القوى والتيارات السياسية التي حاولت اقتسام «تركة مبارك»، هو انها لا تعرف توجهات حزب الكنبة، وهو ما يمكن ان يغير الخريطة السياسية في مصر رأسا على عقب، بعد ان كانت كافة المؤشرات تدل على ان هذه الانتخابات ستكون محسومة في غالبها لتيار الاسلام السياسي. المؤكد ان هناك تغيرا سياسيا في مصر، وأصبح الجميع له دور ولرأيه وصوته قيمة، ومن ثم فان الارتكان الى السلبية في التعاطي مع الشأن العام، اضحى من قبيل الماضي وبشكل يؤشر الى ان حزب الكنبة ولّى الى غير رجعة.